
زاوية الدكتورة ميديا شيخة
مسؤولة مجلس حركة التجديد الكُردستاني في ألمانيا
الهوية الكردية تجربة وجودية متشابكة عبر التاريخ والذاكرة واللغة والمنفى، يتقاطع الوجودي بالثقافي، وتتداخل الوعي السياسي مع البنية السردية، وتوترات التاريخ الطويل، وتحولات المنفى، فضاء إبستمولوجيًا تتجدد فيه الذات عبر السرد والتأويل، حيث تتحدث اللغة كأداة للحفظ والتجديد، ويصبح السرد وسيلة لفهم التاريخ والوجود في آن واحد، لتظل الهوية الكردية حية ومرنة أمام تحولات المكان والزمان والسلطة.
هذا التحول يظهر بوضوح في الرواية الكردية الحديثة، التي لم تعد تتعامل مع الهوية كإجابة مسبقة، بل كسؤال مفتوح على احتمالات متعددة. فالسرد لم يعد أداة لإثبات الوجود، بل أداة لمسائلته. لم يعد يكتفي بتوثيق التجربة، بل يعيد إنتاجها داخل منظومة رمزية تكشف بنيتها العميقة. الرواية هنا تُخضع الذاكرة لعملية تفكيك نقدي، تعيد ترتيب الماضي، وتحرره من قداسته، وتحوله من مرجعية مغلقة إلى مادة تحليل قابلة لإعادة البناء. وبهذا المعنى، ينتقل الأدب من خطاب الحضور إلى خطاب الوعي، ومن منطق التوكيد إلى منطق النقد، ليجعل من الهوية مشروعًا تأويليًا لا يستنفده تعريف واحد ولا لغة واحدة.
وفي فضاءات الشتات، تتخذ الهوية الكردية بعدًا فلسفيًا وسياسيًا أكثر تعقيدًا. فالكردي الذي يعيش خارج وطنه لا يكرر انتماءه، بل يعيد صياغته. المنفى لا يلغي الهوية، بل يضعها تحت ضوء جديد، ويحولها من عادة ثقافية إلى اختيار معرفي. هنا تتكثف الأسئلة: كيف تُعاد صياغة الذات في بيئات لا تشبهها؟ كيف تُحفظ الذاكرة دون أن تتحول إلى عبء؟ وكيف يُعاد بناء الانتماء في فضاء متعدد اللغات؟ هذه الأسئلة لا تُجاب سياسيًا فقط، بل تُجاب سرديًا، لأن الأدب يمتلك القدرة على تحويل التمزق إلى معنى، والحنين إلى وعي، والاغتراب إلى مساحة لإعادة اكتشاف الذات.
واللغة الكردية حين تتعرض لضغط التهميش أو التشتت، فإن تجربة الشتات تضع هذه اللغة أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على استمراريتها من جهة، والانفتاح على منظومات معرفية أخرى من جهة ثانية. في فضاءات المهجر، تتشكل هوية مركبة، تتقاطع فيها الكردية مع لغات عالمية، ويتحول الانتماء إلى اختيار واعٍ لا إلى معطى تلقائي. هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن للذات أن تحافظ على مركزها الرمزي وهي تعيش في سياق متعدد المراكز؟ بالانغلاق؟ أم بإنتاج خطاب ثقافي قادر على الحوار.
وفي سياق متصل، من أبرز تجليات هذا التحول بروز كتّاب كرد يبدعون باللغة العربية. هذه الظاهرة لا ينبغي قراءتها من منظور الفقد أو الاستبدال، بل من زاوية التوسع الدلالي. فالكاتب الكردي الذي يكتب بالعربية لا يخرج من هويته، بل يعيد تموضعها داخل حقل لغوي أوسع. إنه ينقل إلى العربية خيالًا تشكّل في سياق ثقافي مختلف، ويضخ فيها إيقاعًا سرديًا خاصًا، وصورًا تنبع من تجربة تاريخية مغايرة. وبهذا، تتحول اللغة العربية في نصوصهم إلى فضاء استضافة للهوية الكردية، لا إلى بديل عنها.
تطرح هذه الازدواجية اللغوية سؤالًا فلسفيًا دقيقًا: هل الهوية كامنة في اللسان، أم في البنية العميقة للوعي؟ التجربة الأدبية تشير إلى أن اللغة أداة، لكنها ليست المصدر الوحيد للهوية. فجوهر الانتماء يتجلى في الرؤية، في الحساسية الجمالية، في طريقة بناء الشخصية والفضاء الروائي، وفي الإيقاع الداخلي للنص. قد تتعدد اللغات، لكن البنية التخيلية التي تصوغ العالم تظل محتفظة بجذورها الأولى.
إن الهوية الكردية التي تُفكَّر بها نقديًا، وتُروى بعمق سردي، لا تخشى التعدد ولا تتوجس من التفاعل، لأنها تدرك أن ثباتها الحقيقي يكمن في قدرتها على التجدد. وإن الهوية الكردية والسرد الهوياتي الكردي يكشفان أن الانتماء ليس جوهرًا صافيًا، بل نسيجًا من الذاكرة والتجربة والقطيعة والاستمرار.
في كل نص عميق، ثمة توتر خفي بين ما يُحفظ وما يُعاد تأويله. هذا التوتر هو المساحة بين اللغة بوصفها ميراثًا واللغة بوصفها أداة إعادة خلق. وتتجلى هذه المساحة في هندسة السرد، في موقع الراوي، في علاقة الذات بالآخر، وفي شكل الذاكرة حين تتحول إلى كتابة.



