
(الجولاني)
مَن أنا
تسألونني من أنا؟ وتظنون أنكم تعرفونني، فهل تعرفونني حقّاً؟
كل ما تعرفونه حصلتم عليه من ملفاتكم السريّة عني، من تنصتكم على أحاديثي، وتصويركم لي ولرجالي من مسّيراتكم وأقماركم الصناعيّة. كلّ معلوماتكم وصلتكم من القيل والقال، من التوقعات والخطط والتقارير، من السماء ومن الفضاء. ولكي أقولها لكم ببساطة أنها وصلتكم صغيرة. صغيرة لأنّها وصلتكم من بعيد ومن فوق.
ستصيحون وتحدّثونني عن سَجنَكم واستجوابكم لي وعن تعذيبي واغتصابي…
لو كنتم تعرفونني حقّاً لما تركتموني أخرج من السجن يوماً.
ستصيحون وتنددون بما قلته: اغتصابكم لي!… نعم، فبعد استلامي للحكم في سوريا بفترة قصيرة بدأت وسائل الاعلام التابعة لي تشرح كيف قمتم باغتصابي. لا تعرفون كم يزيد هذا من شعبيّتي أمام الجمهور. التعاطف أول السيطرة. فأنا الضحيّة وأنا الجلاد وأنا المساوم العادل! هل رأيتم الصور التي نشرها أتباعي، كم كانت جميلة ومُعبّرة؟! كيف كنت مرميّاً على الأرض بلا وعي. لم أكن نائماً. لا، بل كنت فاقداً للوعي. أعترف أنّ الصور كانت غاية في التعبير. الدم متناثر حولي على أرض سوداء وسخة، والجنود حولي، وحوش لا تعرف الرحمة.
هل تعتقدون أن كلّ معلوماتكم التي جمعتموها عنيّ خلال سنوات من المراقبة والتجسس وكتابة التقارير ذات أهميّة؟ إنّها لا شيء يُذكر.
إنّها لا شيء أمام الذاكرة. ذاكرة الناس وحكاياتهم. ستعرفونني حقّاً من كلام الناس مباشرة، من ذاكرتهم التي تنزف في الشوارع والطرقات الرمليّة غير المُعبّدة للقرى والأحراش. من الكلمات الأخيرة للضحايا ومن الكلام المرتجف لذويهم وعويلهم. إنها أخبارٌ جاءت مباشرة منهم، من التراب ومن تحت التراب. لن تصلكم من شبكات التواصل، والأشخاص الذين أرسلتُموهم كي يخبروكم أنّ كل شيء بخير، فتصدقوهم بسذاجة أو بحثاً عن مصالحكم. لن تصلكم أخباري هذه المرّة من أقماركم ومسيراتكم، ولن تمر عبر أفواه كثيرة رُوت إلى آذان كثيرة. لقد جاءت مباشرة من أفواه الخائفين، فأنصتوا جيّداً.
سأبدأ بقصّة صغيرة لا يعرفها أحد…
تبدأ هذه القصّة عندما قام الضابط حافظ الأسد، بانقلاب على الرئيس نور الدين الأتاسي فسجنه وسجن من بعده مجموعة من الضبّاط، كان أهمّهم صديقه صلاح جديد، ابن طائفته العلوية، وزجّه في السجن ثلاث وعشرون سنة قبل أن يقتله، ليصنع دكتاتورية دامت إثنين وخمسين سنة. لكن هذه القصة تعرفونها. أما تلك التي لا تعرفونها، هي تلك القصة التي مرّت مرور الكرام، ولم ينتبه لها أحد. فهل كان فعلاً ينتمي للطائفة العلويّة كما يظنّ الجميع؟!
حين وصل حافظ الأسد إلى السلطة، وأحكم قبضته واضعاً في السجن كل مَن عارضه من جميع الأديان، ونصّب حوله مَن قدّسهُ من جميع الأديان. قام حينها بزيارة كلّ المدن السوريّة، وفي كلّ مدينة دشّن مسجداً. قد تقولون أنّه حدثٌ صغير، لا قيمة له. طبيعّيٌ في بلد أكثر مواطنيه من المسلمين. لكن سوريا في ذلك الوقت كان طابعها مَدني في دمشق، وفي الكثير من المدن الأخرى. لم يكن الإسلام طابعها. كانت النساء متحررات، تعملنفي بناء المجتمع، وتشاركن في الكثير من الحركات الوطنيّة. كاتبات وناشطات مثل خالدة سعيد وكوليت خوري وغادة السمّان وسنيّة صالح.
هل تعرفون أن المرأة السورية امتلكت حقّ الانتخاب في عام ١٩٤٩، خمس سنوات بعد المرأة في فرنسا وقبل سويسرا واليونان، وجميع الدول العربيّة تقريباً.
أفهم أنّكم ستقولون إنّها حادثة بسيطة، أن يبني مسجداً في كلّ مدينة، لكن عندما تدركون أن عدد المساجد التي بُنيت في سوريّا منذ وصول الأمويّون وحتى عام ١٩٧٠، كان ثلاثة آلاف مسجداً، وأنّ عددها زاد في ظلّ عائلة الأسد، إلى سبعة آلاف مسجد على الأقلّ. هل تدركون الآن، أن حافظ الأسد لم يكن يهيئ أولاده البيولوجيين للحكم في سوريّا، وإنّما كان يهيئني أنا ابنه بالتبنّي! ألم تكن تلك المساجد التي بناها حافظ الأسد، هي نفسها التي خرج منها الناس، ليطيحوا بابنه.
وصدّقوني، لم يكن ذلك سوى غيثٌ من فيض، وأوّل الغيث قطرة.
ربّما قام حافظ الأسد بذلك، مدفوعاً بعقدة نَقص، شعر بها في شبابه بسبب انتمائه إلى إحدى الأقليّات المُضطهدة تاريخيّاً. احتمالٌ نفاه بشكل كامل الصحفي البريطاني باتريك سيل في كتابه (الأسد، الصراع على الشرق الأوسط) حين كتب: “… وكان عليه أن يعمل بجدٍّ لإقناع المتشككين بأنّهُ خلّف عُقد الأقليّة وراء ظهره، وبأنّهُ مُلتزم جسداً وروحاً، قلباً وقالباً، بالتيار القومي الرئيسي، وبأنّهُ صالح ومُناسب لقيادتهم فعلاً”.
أو ربّما كان يتبع أجندة يتم تهيئتها ببطء. أجندة كانت أقلّ وضوحاً في ذلك الوقت، لكنّ نتائجها تخرج الآن عارية في ضوء الشمس. صرتْ أنا خاتمتها.
مهما كان الأمر، ما فعله الأب خدمني بعد سنوات عديدة. لكن ما قام به ابنه (أخي بالتبنّي بشّار) في أربع عشرة سنة، ليساعدني على الوصول للسلطة، فاق كل التوقعات.
كان أوّل قرار يتّخذهُ حافظ الأسد بعد أن نصّب نفسه رئيساً، هو إلغاء التعدديّة السياسيّة، مانعاً تعدد الأحزاب مهما كان توجهها. شكّل حينها ما أسماه بالجبهة الوطنيّة، مُلزماً كل الأحزاب السياسيّة بالانتماء لها. بالطبع كانت الجبهة تحت حكم ووصاية حزب البعث الحاكم، الذي بقي الحزب الوحيد الذي يستطيع قيادة الحركيّة السياسيّة في البلد. بعد سنوات، صار الانتساب للحزب يتمّ بشكل ممنهج بدءاً من عمر السابعة عشر في المدارس، حيث يوزّعون على الطلاب طلبات انتساب ويدعونهم للانتساب بالميكروفون، في نفس الفترة التي كان يتوجّب على هؤلاء الطلاب القيام بالإجراءات للحصول على الهويّة. بدا حينها وكأن الحصول على الهويّة السورية والانتساب للحزب هو الشيء نفسه، صدفة أم إيحاء مدروس؟
هكذا أفرغ الساحة السياسيّة، مانعاً الناس من التعبير عن آرائهم السياسيّة. اختفت الأحزاب في سوريا، ولم يعُد للناس القدرة على التعبير عن آرائهم السياسيّة، والاجتماعيّة، كرفض الفساد، والمحسوبيات التي استأثر بها الحزب الحاكم. اختفت الجمعيات والمنظمات حتى الإنسانيّة منها، فأصبح الوصول لأي سلطة مهما كانت بسيطة، وتسلّق السلّم الوظيفي، منوطاً بالانتماء للحزب الحاكم. وبالرشوة أيضاً، كشرط ثانٍ للوصول.
بعد سنوات قليلة، صار التديّن هو الشكل الوحيد للتعبير عن الذات، والشعور بالانتماء إلى غير الفكر الحزبي، مُعطياً إيّاهمإحساساً هشّاً، بممارسة حريّة فرديّة وجمعيّة، لم يكن حكم الأسد يلاحق أصحابها بعد. صار التديّن يحقق هوية للناس، بينما التعبير عن الرأي السياسي أو حتى المدني، صار يُعاقب صاحبه بالقتل أو الإخفاء القسري. لقد وصفه ياسين حاج صالح في كتابه (الثورة المستحيلة): ” يكاد الدين يكون هو الفاكهة الرّوحيّة الوحيدة في هذه الصحراء القاحلة…”.
تقولون أنّ عائلة الأسد تنتمي للطائفة العلويّة. جملة فيها الكثير من السذاجة وقصر الرؤية. يكون الانتماء لأي دين بتبنّي أفكاره، بممارسة شعائره، بدعم من ينتمون له ليحصلوا على عيش كريم. هل تعرفون أن الأب كان يصلّي بشكل متكرر في الجامع الأموي،وقام ابنه بنفس الشيء. هل تعرفون أنهما لم يصليّا طيلة فترة حكمهما في أيّ مسجد علوي، أو في مسجد في منطقة ذات أكثريّة علويّة، وهل تعرفون أنّه لم يظهر على التلفاز يوماً شيخ علوي، وذلك طيلة فترة حكم عائلة الأسد.
هل تعرفون أنّ تسعين بالمئة من الوزراء والسفراء، كانوا من السنّة وأنّ الجنود السنّة في الجيش السوري وقت السقوط كانوا يشكلون سبعون بالمئة، وأنه منذ استلامهم للسلطة لم يظهر رجل أعمال وحيد علوي كان أو من أقليّة أخرى تقريباً. ستقولون لي أنّ الجنود كانوا مجبرين وخائفين. ستكونون عندها على حق بنسبة كبيرة، لكن ماذا عن الضباط في أعلى هرم السلطة في فترة الثورة السوريّة المزعومة منهم؛
ـ علي مملوك: مستشار الرئيس للأمن القومي كان سنيّاً.
ـ رستم غزالة: رئيس جهاز الأمن السياسي كان سنيّاً.
ـ علي محمود عبّاس: وزير الدفاع كان سنيّاً.
ـ قحطان خليل: رئيس شعبة المخابرات كان علويّاً.
وأنّهم جميعاً وكثيرين غيرهم، في قمّة هرم السلطة سافروا واختفوا، في نفس يوم هروب بشار الأسد. هُم نفسهم، ومجموعة من الضبّاط من كلّ الطوائف، قد وُضعوا على لائحة الإرهاب الامريكية وبعض الدول الأوروبية، لمشاركتهم في ارتكاب المجازر ضدّ الشعب السوري؟
صحيح أن الجهاز الأمني في سوريا كان بأغلبيّته علويّاً، لكن حاولوا أن تسألوا أنفسكم “هل كان ذلك تمييز أم استخدام واستعباد للطائفة العلويّة”؟
ألم يكن كلّاً من عبد الرؤوف الكسم، وعبد الحليم خدّام صديقا الأسد البعثيّان منذ فترة الثانويّة العامّة. ألم يرافقاه طيلة مسيرته السياسيّة، وحكمه الدكتاتوري، فأصبح الأوّل رئيسَ وزراء الأسد لأطول فترة ممكنة، وكان الثاني وزير خارجيته لسنوات ومن ثم نائبه. أليسا مسلمان سنيّان. ومصطفى طلاس صديق حافظ منذ كان طالباً في المدرسة الجويّة. ألم يُصبح وزير الدفاع حتى وفاة حافظ الأسد. ألم يستعن مباشرة بمصطفى طلاس والخدّام السنيّان، في انقلابه ضدّ صلاح جديد العلوي.
ستقولون لي كما يقول الكثيرون، أن هؤلاء لم يكونوا الدعائم الحقيقيّة للنظام، بقدر ما كانوا دُمى مُتحركة بيد حافظ الأسد. لكن إن كان ذلك حقيقيّاً، كيف استطاعوا جمع ثروات لا تُقدّربثمن. كيف استطاع عبد الحليم خدّام بناءَ قصرٍ بمينائه الخاص على شاطئ بانياس، هو القادم من عائلة فقيرة من تلك المدينة الساحليّة الخلابة والفقيرة حتى الآن.
لم يكن انتماء حافظ الأسد وابنه من بعده، إلا لشخصهما وللسلطة التي يمارسانها على الشعب السوري وعلى مقدرات البلد. يساعدهما حفنة من المستفيدين والمشاركين في اضطهاد الشعب السوري. في حكمهما أصبحت الأقليات تخاف من الاكثرية السنيّة المتديّنة، والأكثرية صارت تعرف ذلك. فحتى الأقليّات من طوائف أخرى، حتى تلك التي أوهموها ونسبوها للنظام الحاكم، أصبحت تخفي معتقداتها وتتشبه بالأكثريّة. لم تكن تلك الأقليات قادرة مثلاً على الإجهار بإفطارها برمضان أمام الآخرين، وكأن ذلك صار اتهاماً من نوع آخر، أصبح الدين ديكتاتوريّة أخرى غير مُعلنة. كان غير الصائمين يبررون اخفاءهم لإفطارهم في رمضان بأن ذلك احتراماً للآخرين. هكذا كما علّمهم النظام تسمية الخوف بأسماء لا حصر لها؛ كالاحترام، أو التضحية بالذات، بالفرديّة، بالتعبير عن الآراء، في سبيل الالتزام بالوطن ضدّ مؤامرة كونيّة.
ها هي الصورة التي تشكّلت خلال سنوات قليلة في الشارع السوري؛ أصبحت الأكثرية السنيّة تخاف كأفراد من الديكتاتور،بينما تخاف الأقليات من الديكتاتور كأفراد، ومن الأكثرية السنيّة كمجموعات.
تخيّلوا إذاً ماذا ورثتُ؛ ولاءٌ مطلق من الأكثرية باسم طائفتي التي بدأت تتنفّس الصعداء، وخوفين معاً لدى الأقليّات من الدكتاتوريّة ومن الأكثريّة. كانت الثورة الحقيقيّة لحافظ الأسد بتحويله بلداً جمهورياً إلى بلدٍ مَلكي. لكنّ ثورتي فاقت ثورة حافظ الأسد ذكاءً. بهذا الخوف حَكم حافظ البلد، وبالخوف نفسه منع بشار الأسد الأقليّات من النهوض ضدّهُ، ملوّحاً براية بطش الأكثريّة السنيّة إن نجحت الثورة. بهذه الطريقة الخبيثة، شلّ حركة الثورة السوريّة المدنيّة من مهدها عند الأقليّات، التي خرجت هي أيضاً في البداية إلى الشوارع، ثم ما لبثت أن اعتكفت البيوت، تارك الأكثريّة السنيّة وحدها في الشارع، معطياً للثورة طابعاً دينياً طائفيّاً، أصبح يتشدد أكثر فأكثر. وبدل الخروج من البيوت وأماكن العمل والجامعات، صارت المساجد أماكن التجمع. وبدل المنظمات والتجمعات الشبابيّة والمثقفة، أصبحت خُطب الجمعة النبض الوحيد لتحرك الناس.
سأروي لكم حادثة صغيرة، ضجّت فيها أحياء اللاذقيّة، بعد عدّة أيّام من بدء الثورة، وخروج الناس في شوارع المدينة، وكما قلت لكم؛ روايتي تأتيكم من أفواه الضحايا مباشرة، فأنصتوا يحفظكم اللّه: في الأيام الأولى للثورة، خرج الناس من بيوتهم في كلّ المُدن ومن كلّ الطوائف. خرجوا عُزّل دون أسلحة ودون مناداة بالدم. أرادوا أن يحصلوا على حياة كريمة وآمنة، حتى أنّهم لم يطالبوا بسقوط الحكم في البداية. في اللاذقيّة التقى العلويّون، والسنّة،والمسيحيون، معاً ونادوا بالحريّة والكرامة. والحقيقة تُقال أنّ الشرطة كانت تحيط بالمُتظاهرين في الأيام الأولى، دون أن تمسّهم. بدا المنظر وكأننا في بلد أوربيّ، لكن هذا البلد الأوروبي لم يدُم سوى عدّة أيام. في إحدى المساءات الأولى للثورة، بدأت مجموعة من الشبّان بالمرور في الحارات العلويّة. تطرق على الأبواب، وهي تصرخ وتقول للناس، أنّ الحارات السنيّة تسلّح نفسها بالعصي والسكاكين، وأنّها ستأتي إليهم لتقتصّ منهم. خاف الناس، وحدثت بلبلة كبيرة. في البداية اختبأ الجميع في منازلهم، ومن ثم قام فتيان الحارات، بوضع متاريس من حاويات الزبالة، وتسلّحوا بالعصي. لكن شيئاً لم يحدث! قام حينها بعض الوجهاء، والعديد من الأشخاص الذين لديهم أصدقاء، بالاتصال بمن يعرفون في الحارات السنيّة. جاءهم الردّ صاعقاً، فمنذ عدّة ساعات جاءت مجموعة من الشبّان وأخبرتهم، أنّ العلوييّن في الحارات المجاورة، يجهّزون أنفسهم، وأنّهم سيأتون لقتلهم،فتحصّن الشباب السنّة خلف متاريس من حاويات الزبالة،مسلّحين بالعصي. نُقل الخبر بين الطرفين وفُضّت الحواجز. عاد الجميع إلى بيوتهم آمنين، فرحين بإخوانهم، ظانّين أنهم استطاعوا تفكيك تلك المؤامرة الصغيرة، لكنهم لم ينتبهوا إلى الخوف الذي زُرع فيهم، وبدأ يُثبط عزائمهم. فيما بعد وصل إلى الناس، أنّ المجموعة كانت هي ذاتها التي ذهبت إلى الأحياء السنيّة والعلوية لتُخيفهم، وكان من بين هؤلاء الشبّان، وربما مُحرّكهم، أحد أبناء عمّ الرئيس بشار الأسد.
لكن والحقيقة تُقال، أنّ الأب وابنه لم يفهما أن الذكاء، أو المَكر، أو البطش، أو أي شيء آخر من التلاعب بالعقول لن ينفع بشيء. فدمهما مُلوث وولادتهما أيضاً، هما وطائفتهما. حتّى الآخرون. كلّهم لا ينتمون للدين الذي كبرتُ عليه. إنهم جميعاً؛ السنة المعتدلون، العلويون، الدروز والأكراد، سواسية. هم يقرؤون القرآن،ويؤمنون بما يقول، لكنّهم لا يعرفون شيئاً عن ديني، عن الجهاد،وعن نكاح الجهاد، وملكات اليمين من السبايا، وتحليل قتل الأطفال ذوي الدم النجس. طبعاً لم أنسَ المسيحيين، سأخيفهم قليلاً بتفجير هنا وهناك، وبمكبرات الصوت التي تدعوهم لاعتناق الإسلام أو القتل، ومن ثمّ سيدفعون لي الجزية كما فعل بهم الأمويّون.
لنعود إلى والدي وشقيقي بالتبنّي. هما لم يفهما أنّهما خدما وصولي طوال خمسين عاماً، وأن قلوب الشعوب أوتار حساسة، لو عملوا على تحقيق كل ما هو بعيد عنّي وبغيض لي، كالحرية بغض النظر عن الدين، والعمل على تحسين مدخرات البلد والشعب للعيش الكريم، أو حتى تحقيق الديمقراطية وما أشرسها وأوسخها. لو فقط تركوا الحكم في الوقت المناسب، لكان الناس الآن دوني متوافقين وأحرار.
يقولون أنّ الثورات تحبل بالطغيان، فابحثوا عن حلّ آخر، ولا تحاولوا أن تثوروا عليّ، لأن مَن بعدي سيكون أسوأ مني. هذا ما علمكم إياه حافظ ومن بعده ابنه، وهذا ما سألقن به أولادكم في حليب رضاعتهم.
كان انقلاب حافظ ذكيّاً لكن انقلابي كان أذكى. ففي الوقت الذي قضى فيه حافظ الأسد وابنه حياتهما يحاولان كسب رضا الأكثرية، أنا طوبتني الأكثرية مَلكاً لها. أكثريّة جهزها لي أبي حافظ عبر خمسين سنة بإعطاء السنّة المناصب الكبيرة في البلد،والعمل على إرضاء التجار السنّة، وغناهم في الوقت الذي كانت الأقليّات في المناطق الزراعيّة والريفيّة يرضخون تحت نير الفقر. حتّى أن زوجتا ابنيه بشّار وماهر الأسد كانتا سنيّتان، بينهما زوجة الرئيس بشّار أسماء الأسد نهبت الناس وشكّلت عصابتها الخاصّة وموّلت القبيسيّات*.
ما أحاول قوله لكم، أن هذه الديكتاتوريّة التي دامت خمسين عاماً، لم تكن ديكتاتوريّة طائفية، ولم تكن أيضاً دكتاتوريّة قادها حزب البعث، بل كانت دكتاتوريّة لعائلة واحدة، سمّاها الناس في سوريّة عائلة الأسد، لكن كان فيها حيوانات ووحوشٌ من كل الطوائف والأديان.
أما كيف قمت بانقلابي الذي يسمّيه السُذّج حتى الآن ثورة، فهوأمرٌ آخر. فكما دخلتُ كل المدن السورية ودمشق بعشرة أيام فقط، بعشرة أيضاً امتلكتُ الأكثرية، لكن كل ذلك سأحكيه لكم عندما نلتقي في المرّة القادمة، وسنلتقي كثيراً.
القبسيّات: حركة نسائيّة دينيّة سلفيّة متشددة، قيل أنها كانت بطانة سياسيّة ناعمة للنخبة، تحركها بطريقتها.
نشأتي
ولدتُ في السعوديّة في مدينة الرياض. نشأت هناك وعشت سنواتي الستّة الأولى في ذلك البلد الذي جاء منه بنو أميّة. كانت عائلتي مؤلفة وقتذاك من والديّ وأخويّ الأكبر منّي. أستطيع أن أقول إنني أشعُر بالانتماء لهذا البلد الذي توجد فيه الكعبة المُشرّفة أصلُ كلّ مُسلم حقيقي عربيّ كان أو أعجمي. أعرف أن شخصاً مثلي يُسجن في سعوديّة اليوم، لكن ذلك ليس مُهمّاً الآن، لأنّ كلّ شيء سيتغيّر.
لم يكن أبي ذا توجّه ديني متشدد، بل كان قوميّاً ذو انتماء ناصريّ، حتّى أنّه كان مُرشحاً لعضويّة مجلس الشعب، لكن بعد الانفصال عن مصر بعدة سنوات، اضطرّ والدي للذهاب إلى السعوديّة هرباً من الملاحقة التي قام بها حافظ الأسد والبعثيينلكل مَن ليس في صفّهم، ومنهم الناصريين. منذ ذلك الوقت المُبكّر في عمر سوريّا الحديثة، لم تكن المشاركة أو التعدديّة السياسيّة مفاهيم يقبل بها أو حتّى يفهمها السوريون.
بالطبع، لن أحدّثكم عن اتفاقيّة سايكس ـ بيكو فأنتم تعرفونها جيّداً. لقد جاءت من عندكم. ما أودّ أن تعرفونه هو أن سوريا عانت منذ خروج الفرنسيين منها عام ١٩٤٦، من مجموعة من الانقلابات وتتالى عدد كبير من الرؤساء في تولّي ذمام الحكم في فترةقصيرة نسبيّاً. هكذا صدّرت سوريا الانقلابات إلى العالم العربي،ومن ثمّ صدرت تحويل الجمهوريّة إلى ملكيّة مقنّعة، عند وصول حافظ الأسد. في عام ١٩٥٨ قامت الوحدة بين سوريا ومصر،وتخلّى الرئيس السوري شكري القوتلي عن الرئاسة لجمال عبد الناصر
دامت الوحدة حوالي ثلاث سنوات. لكن مجموعة من الضباط السوريين، قاموا بانقلاب على عبد الناصر عام ١٩٦١ بعد أن شعروا بتهميش زائد لهم من قبل الحكومة المركزيّة في مصر،وتشكل لنظام ديكتاتوري أمني، تديره الشرطة السريّة بقيادة عبد الحميد السراج، الذي نصّبه جمال عبد الناصر وزيراً للداخليّة،لكن في الحقيقة كان رجل الأمن الصموت التابع لعبد الناصر. كان ذلك سادس انقلاب في تاريخ سوريا الحديث. تم بقيادة الضابط الدمشقي عبد الكريم النحلاوي، وعاد الزعيم الحلبيأمين الحافظ، الذي لعب دوراً في النضال من أجل الاستقلال،إلى الواجهة السياسيّة وأصبح رئيساً. لكن لم تكن تلك نهاية المطاف، فقد بدأ صلاح جديد والأسد ومجموعة من الضباط،الذين فقدوا كل امتيازاتهم، بالتخطيط لانقلاب سينجح ويغيّر وجه سوريّا عام ١٩٦٣.
يقول برهان غليون المفكّر والسياسي السوري الفرنسي، أن الانفصال كان أوّل بوادر القطيعة بين السلطة الحاكمة في سوريّا وشعبها. فبالرغم من أنّ ناصر كان ديكتاتوريّاً لكنّهُ كان مرغوباً من أغلبيّة الشعبين المصري والسوري. هذا الانفصال بين البلدين خلق انفصال من نوع آخر بين الشعب السوري والقيادة العسكرية التي فضّلت الحفاظ على ميزاتها رغم إرادة الشعب. هنا بدأت الكارثة التي أوصلت سوريا إلى براثن الحكم العسكري الديكتاتوري الذي فتح الطريق مُعبّداً أمام حافظ الأسد. برأي غليون لم تكن ديكتاتورية ناصر يحكمها الحذاء العسكري، لكنها أصبحت كذلك بعد الانفصال. وكان ذلك بداية لسلسلة من الانقلابات العسكرية هدفها الوحيد الاستيلاء على الحكم في سوريّا، ووقف الشعب خارج أي قرار. ثمّ جاء حافظ الأسد كما أخبرتكم عام ١٩٧٠ ليجرّ سوريا إلى الهاوية، واضعاً خارج القرار، أي مكوّن كان شعبيّاً أو سياسيّاً أو دينيّاً. كان محموماً بالحكم والاستيلاء على كلّ شيء. محوّلاً الحكم من جمهوري أو قومي أو بعثي إلى حكم عائلي. جهّز لانقلابه بأن أعطى أخاه رفعت الأسد صلاحيّات لا يمكن أن تسمح بها مؤهلاته، حيث إنّه لم يكد يحصل على شهادة البكلوريا حتى قام (مع عدد من الطلاب البعثيين) بدورة مكثّفة للتخرج من الكليّة الحربيّة، ومن ثمّ قام حافظ الأسد، الذي كان من أهم ضباط انقلاب عام ١٩٦٣بتنصيبه قائداً لسرايا الدفاع. رفعَتْ الذي كان برتبة رائد،كان تحت إمرته ضبّاطاً أرفع شأناً من عقداء وعُمداء، وكان هَمُّ سرايا الدفاع الأوّل حماية كرسي مَن سيصبح لاحقاً ملكاً على البلد. وصار رفعت نائباً للرئيس عندما أصبح حافظ رئيساً.
هل تعرفون أن الحكومة السوريّة لم تقدم يوماً ميزانيّة لها، لا في حكم حافظ ولا في حكم ابنه. كما يقولون، كانت ميزانيّة الدولة تذهب مباشرة إلى العائلة وأتباعها. هل تعرفون أنّ النفط الذي تزخر به أرض سوريّة، كانت عائداته تُحجز بشكل شبه كامل للجيش، وللقصر الجمهوري. لا داعي لأخبركم أنّ الجيش السوري لم يضيف شيئاً إلى ترسانته في آخر ثلاثين عاماً، وبقي الجيش فقيراً بمعداته وجنوده الذين كانوا لا يملكون ما يكفي لقمة العيش. قد يعطيكم ذلك فكرة صغيرة عن التحوّل الكبير الذي أصاب هذا البلد الذي بدأ بسقوط حرّ، من قاعدة شعبيّة مثقّفة سياسيّة متنوّعة، إلى حكم ديكتاتوري، ومن ثمّ عسكري ديكتاتوري، ووصولها إلى قعر الهاوية ذاتها بحكم عائلي ملكي ديكتاتوري،تُمسك به عائلة، وعدد قليل من الأتباع من كلّ الطوائف والأديان. لكنّكم ستفهمون بسهولة كيف سقطت هذه المملكة.
لأوضّح ذلك سأحكي لكم قصّة صغيرة؛ عندما وصل المغول إلى بغداد عام ١٢٥٨. دخل هولاكو إلى القصر العباسي، وطلب من جنوده أن يسجنوا الخليفة المعتصم سبعة أيام دون طعام. في اليوم السابع استدعى هولاكو المعتصم من سجنه وسأله إن كان جائعاً، وعندما أجابه المُعتصم بالإيجاب، قدّم له هولاكو وعاءاً مليئاً بالذهب. قال له المعتصم أنّه لا يستطيع أن يأكل الذهب، فأجابه هولاكو؛ “لو كنتَ تعطي جنودك وشعبك جزءاً يسيراً من نهر الذهب الذي تملكه، لما استطعتُ دخول بغداد”. هل تعرفون أنّ راتب الجندي السوري في عهد بشار الأسد لم يكن يتجاوز عشرين دولاراً، بينما في تنظيم داعش كان راتب المقاتل وحده أربعمائةدولار، هذا دون المزايا الأخرى كمنحة شهريّة قدرها مائة دولار عن كل زوجة والسكن والمحروقات المجّانيّة.
كانت فترة وصول المغول إلى أرض الإسلام واحتلالهم لها حدثاً غيّر التاريخ، لكن لم يكن هولاكو من يهمّني من تلك الفترة ولا المعتصم. كي تعرفوا أكثر عن نشأتي وانتماءي أكثر يجب أن أحدّثكم عن شخص آخر عاش في تلك الفترة العصيبة. شخص فاق الرجلين حكمة واستنارة. إنّهُ شيخنا ابن تيميّة.
لم يكن ابن تيميّة يفكّر فقط في الخطر الخارجي، هو الذي هُجّر منذ طفولته إلى دمشق هرباً من بطش المغول. لقد ركّز جهده وفتواه كي يُظهر خطر هؤلاء الذين يعيشون بيننا نحن المسلمون،ويدّعون الإسلام. حين أصدر فتواه ونادى بمحاربة وقتل النصيريّين (العلويّة) والإسماعيليين والدروز، وغيرهم من الأقليّات الذين يدّعون الإسلام لكي يُخفوا دينهم الباطني الكافر، ويهربوا من القصاص الحقّ. كان يعرف أنّ هؤلاء خطرٌ على فِكر الأمّة الإسلاميّة ووحدتها. أراد أمّة نقيّة العرق والإيمان كي تكون قويّة موحّدة لا شوائب فيها ولا أوساخ. بهذه الطريقة وحدها، سيلتمّ شمل المسلمين ويحاربون الكفار في كل العالم. لهذا بالضبط كان إعلاننا الدستوري عند وصولي أخيراً إلى سدة الحكم في سوريا، بأنّ الرئيس السوري يجب أن يكون عربياً مسلماً وليس سوريّاً. إنّها الطريقة الوحيدة لضرب كل الأقليّات الكافرة وغير العربيّة في سوريّاً تمهيداً لدولة إسلاميّة بلا حدود.
لا يهمّ إذاً أن يأتي أيّ شخص مادام يرفع الإسلام سيفاً،ويتبنّى مفهومنا السلفي (إتباع السلف الصالح)، ليصبح خليفة للمسلمين قاطبة، ويحقق يوماً حلمنا في دولة إسلاميّة شاسعة الأطراف، يترأسها خليفة المسلمين. لكنني الآن أنا الخليفة وسأتمسّك بكرسيّ كما تمسّك به حافظ الأسد وابنه، مهما كانت النتائج أو الخسائر البشريّة لتحقيق ذلك، لكنني لست وحيداً،فكما قلت لكم في لقائي مع قناة الجزيرة في عام ٢٠١٤ أنّ الفكر الجهادي موجود في كلّ العالم، ولولا الجهاد الإسلامي في أفغانستان، لما وصل صداه إلى العراق ولولا الجهاد في العراق،لما وصلنا إلى سوريّا. وعند وصولنا إلى سوريا كنا قد درسنا الفكر الجهادي في كلّ بقاع الأرض، وازدادت خبرتنا كثيراً.
صحيح أنني قلت في ذلك اللقاء، أننا لن نحتكر السلطة عند دخول دمشق، وأنّه سيتم دعوة كلّ الذين شاركوا في الثورة السوريّة للمساهمة في الحكم، وأنّ الأقليّات ستحافظ على حقوقها كاملة. لكنني وصلتُ دمشق في سيّارة فارهة، وليس على دبابة كما يظنّ الناس. وصارت البلد لي ولعائلتي، وصار حكمي هو الذي يطبّق وأنا عازم على السير في خطى السلف الصالح.
وكم يُشبه اليوم بالبارحة، وكما كان ابن تيمية، هذا السلف الصالح، يقاتل في الداخل والخارج في نفس الوقت مركزاً قوته على الأقليّات رغم اقتراب المغول الأجانب واحتلال جيوشهم لبلداننا بالتدريج، كان عليّ أن أركّز حملتي على الداخل أوّلاً لأعزّز حمكي وأيضاً لأنظّف هذه الأرض المقدّسة من أوساخها وأهيّئها لحروبها القادمة خارج هذه الأرض. لهذا قلتُ في لقاء صحفي على التلفاز أنّ علينا أن ندك جبال العلويين.
أنا أعرف حقّ المعرفة أنهم، هؤلاء النصيريين، هم أناس فقراء ومُعدمين، وأنّ النظام السابق لم يترك لهم أيّ خيار سوى أن يكونوا سجناءه ومُختطفيه، فهو لم يسمح لهم بالحصول على أيّ مرجعيّة دينيّة كانت أو سياسيّة، ومنع منطقتهم من أيّ تطوّر زراعي، صناعي أو حتّى تجاري، فبقت أجيالهم دون القدرة على التعبير عن نفسها أو التظاهر، خوفاً من النظام إن فشلت ومن الأكثريّة السنيّة إن نجحت (هذا ما أوهمهم به عبر سنوات). صحيح أنّه رغم قناعتي الكليّة بأنّ الحكم الذي سبقني كان حُكماً عائليّاً وليس طائفيّاً، لكنني قلت في نفس المقابلة مع قناة الجزيرة، وكررته مراراً في لقاءتي أنّه كان ” نظاماً طائفيّاً نصيريّاً، وأنّ الصراع الحقيقي في سوريّاً هو صراع طائفي”. طبعاً ستجدون حتماً عدة تناقضات في أقوالي، لكن أليست هذه هي السياسة في صلبها: قول ما يجب أن يقال للحصول على أكبر عدد ممكن من المؤيدين. السياسية والقناعة شيئان متضادان. وأنا مقتنع من إيماني بمذهبي، أنهم فلول للنظام السابق يجب إبادتهم، الكبير منهم والصغير. ولأن فكرنا الجهادي هو فكر نُجاهر به، لا وبل نحاول أجبار الآخرين دخوله بالدعوة أو بالقوّة، لهذا تجدونا نقوم بالصلاة في أوروبا في وسط الشارع أحيانا، وندعو الناس جهاراً ونوزّع المصاحف على الناس، ونقتل مَن يكفر بديننا وكتابنا ونبيّنا. صحيح أنني ألوم بعض أتباعي جهلهم السياسي عندما قاموا بالإعلان في مكبّرات الصوت في الشوارع أنّهم سيقتلون العلويين كبيرهم وصغيرهم، الشريف فيهم قبل المجرم، الرضيع قبل البالغ، ولم يكتفوا بتلك الإعلانات في سيّاراتهم وراء مكبّرات الصوت، بل إنّهم قاموا بتصوير إعداماتهم وجعلوا العالم أجمع يراها. لكن والحقيقة تُقال إنّه المبدأ الأساسي لما أؤمن به أنا وأتباعي وهو الجهاد والإجهار به. لهذا أتفهّم حميّتهم الدينيّة المشروعة.
ولكي تعرفوا بالضبط من هم هؤلاء العلويّون، وإلى أيّ زريبة هم ينتمون، سأحدّثكم قليلاً عنهم. هم يقولون أنّهم من سلالة عليّ ابن أبي طالب من بني هاشم وابن عمّ الرسول محمّد، لكن لم تكن يوماً هي حقيقتهم أبداً. هكذا أوهموا المسلمين الحقيقيّن أنهم منهم ومعهم، لكنّ ذلك لا ينطلي على الكثيرين الذين كتبوا عنهم ووصفوهم بحقيقتهم، حتى أنّ بعض الدول العربيّة كانت تُدرّس تلاميذها في المدارس في الثمانينات أن الحكم في سوريّا تابع لطائفة كافرة.
ورغم أنّهم يعتبرون القرآن كتابهم المُقدّس، لكنّهم لا يطبقون منه ومن السنّة شيئاً، فهم لا يتزوّجون أربعة نساء أو ثلاث أو حتّىاثنتين، بل يكتفون بواحدة مقتدين بعلي بن أبي طالب الذي عاش حياته كلّها مع امرأة واحدة هي فاطمة ابنة الرسول. نساوهم لا تتحجّب وترتدين ما طاب لهنّ من ثياب تثير الرجال كالنساء المسيحيّات. فكرهم ليس فكراً دينيّاً واضحاً قائماً على الشريعة، بل هو فكرٌ تشرّب أفكار الكثير من الثقافات التي مرّت في منطقتهم، فهم يحللون الكحول ويؤمنون بأن النبيذ هو دم المسيح، حتى أنهم يذهبون أبعد من ذلك بكثير، باعتناق فكر الفلاسفة الأقدمين الكفار، فهم يؤمنون بالتقمّص، وبأن الروح لا تصعد نحو ربّها كما يقول كتاب الله، بل تعود الأرواح مراراً وتكراراً إلى الأرض، تتقمص أجساد البشر والحيوانات وحتى النبات، فمن كان صالحاً في حياته تتقمّص روحه كائناً أسمى مما كان عليه في حياته السابقة، وتكون حياته أكثر يُسراً، ومن كان شريراً تتقمص روحه في حياته الجديدة، كائناً أقل سموّاً وتكون تلك الحياة أكثر بؤساً. لهذا عندما يتعاملون مع أي كائن حيّ مهما كان، كلباً، أو شجرة، أو حتّى دودة أرض يعتبرون أنّ روحه تعادل روحهم كبشر. إنّها شكل من التساوي في الماهيّة ولو أنّ الشكل مختلف. هل تفهمون الآن أيّ كفر هم يعتنقون.
وهذا ليس كلّ شيء، ففي الوقت الذي يمنع ديننا الحنيف رسم شخصيات الإسلام الهامّة، وصنع تماثيل لهم أو رفع قبورهم. يقومون هم ببناء المقامات التي هي في الحقيقة قبور قديسيهم فيعودون ليلتقوا مع المسيحيين في تطبيقهم لعباداتهم، إنّهم يحفظون رفات القديسين ويحجّون إليها طالبين المغفرة والشفاء من الأمراض.
ولأنّهم عانوا المجازر والملاحقة تاريخيّاً بسبب عقيدتهم، تحولت هذه العقيدة إلى شكل باطنيّ لا يُجهرون بها ولا يعلّمونها لنسائهم. إنّ باطنيّة عقيدتهم هي ما يجعلهم أكثر خطراً.
هناك مَن يقول عنهم أنّهم كانوا من الشيعة، وآخرون يؤكدون أنّهم كانوا مسيحيّن بمعظمهم، لكنني أعتقد أن تلك الأقوال لا تقترب إلى الصحّة بشيء. فهم في الحقيقة ليسوا مسلمين ولم يكونوا يوماً شيعة أو مسيحيين. أنهم وثنيوّن عاشوا واستقرّوا في تلك المنطقة الخصبة منذ آلاف السنين، بدأوا الزراعة قبل غيرهم وأنشأوا حضارة غارقة في القدم. هل تعرفون أن أوّل أبجديّة في تاريخ الإنسانيّة والمكتشفة حتّى الآن وجدت في رأس الشمرا، ذلك الموقع الذي يعود للحضارة الفينيقيّة، والذي يبعد سبع كيلومترات من مدينة اللاذقيّة. قد تتساءلون لماذا أذكر ذلك. أريد فقط أن أخبركم أن تلك الأبجدية المسماريّة هي التي سمحت بتطوير اللغة المكتوبة في العالم، ووصلت حتى كتابة القرآن الكريم، آخر الكتب وأهمها على الإطلاق، ولربّما هو الإنجاز الوحيد الذي أعترف به لهم، فلولا أبجديّتهم لما استطاع المسلمون كتابة القرآن. لكن ما يهمّ الآن أنّ تلك الأبجديّة قد اندثرت، لم تبقَ إلا في كتب التاريخ،وهذا ما سيحدث لهم بالضبط. المشكلة أنّ أبجديتهم اندثرت لكن ما تزال لديهم عادات وتفاصيل في حياتهم وحتّى كلمات تنتمي لتلك الفترة. فعيد النيروز الذي يحتفل به العلويون حتى الآن، هو عيد غارق في القدم تحتفل به الشعوب القديمة بمجيء الربيع. وهل تعرفون أيضاً أن بعض العائلات ما تزال تصنع كعكاً يُشبه تماماً في شكله ومكوناته الكعك الذي كان يصنعه الفينيقيين. ولن أحدثكم عن بعض كلماتهم التي بقيت منذ ذلك الوقت. ما أريد قوله، أنّ الكثير من أهل هذه المنطقة، اعتنقوا الإسلام واتبعوا أحد مذاهبه الأربعة، لكن هم بقوا على وثنيّتهم.
لهذا أخطر ما فيهم هو قدرتهم على الإخفاء، والتلاؤم، وتغيير اللون حسب الظروف، أنّهم ليسوا الأقليّة الوحيدة الموجودة في سوريا منذ الأزل فهناك الآشوريين، والسريان، والكرد، وغيرهم.معظم تلك الأقليّات حافظت على ما هي عليه، أمّا هم فقد بقوا بتبنّي لون مَن يصل إليهم، من قوى على المنطقة منذ آلاف السنين، فكانوا فينيقيين وقت الآشوريين، وبقوا في حكم البيزنطيين والفرس، وتبنّوا فلسفتهم ومن ثم فلسفة المفكرين الإغريق كأفلاطون الذي يؤمنون بنبوّته هو أيضاً، وصاروا مسيحيين عند مرور المسيح بهم، ثم مسلمين عندما مرّ الإسلام،وصاروا شيعة في وقت الدولة الفاطميّة، وتآلفوا مع الفرنسيين وقت الانتداب. هل تفهمون الآن أفضل لماذا هم أكثر الأقليّات خطراً! ففي الوقت الذي بقيت فيه بعض الأقليّات كما كانت منذ أوّل الدهر كالآشوريين والسريان هم تعلّموا التلوّن كالحرباء. لقد احتووا الجميع كوعاء لا يمتلئ أبداً، ولا ينضح بما فيه، محافظين عن معتقداتهم الباطنيّة.
لكننا أتينا لنمحي كلّ ما هو بائد وقديم. إنّهم بكلّ بساطة مثل تلك الآثار السحيقة القِدم. تلك الآثار التي كان من المفروض أن تحميها المنظمات العالميّة. لقد هدمنا تماثيل منحدرات باميان البوذيّة في أفغانستان عام ٢٠٠٣، وفي العراق قام تنظيم داعش بتدمير الآثار الموجودة في متحف مدينة الموصل والتي تعود إلى حضارات الآشوريين والكلدانيين والبابليين ولا تقدر بثمن، وموقع نمرود الأثري، وفي سوريّا كمدينة تدمر، والآن بعد وصولي إلى الحكم بدأنا بتمثالي عدنان المالكي وتمثال أبي العلاء المعرّي الشاعر…
إنّهم كتلك الآثار وبدلاً من أن تحموهم قمتم بتسليمهم لنا، وسيختفون كما اختفتْ تلك الآثار.
لن أفصّل أكثر لئلا أنهي هذا الكتاب بهم، بل سأكتفي بفتوة شيخنا الجليل أبو تيميّة الذي قال: ” هؤلاء القوم المسمَّون بالنصيرية ـ هم وسائر الأصناف الباطنية ـ أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل التتار والفرنج وغيرهم.. وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم“.
هكذا كانت نشأتي من الطفل المدلل لعائلة ميسورة في دمشق،والالتزام بالمدرسة ثم تبديلها إلى العمل في محل العائلة وقضاء الوقت مع الأصدقاء، حتّى تراجع مستوي دراستي مما أغضب أبي عليّ. حاولت في فيما بعد دراسة الإعلام في الجامعة الخاصّة، لأنّ علاماتي في البكلوريا لم تكن تسمح لي بدراسة في الجامعة الحكوميّة. لكنني لم أستمرّ في الإعلام سوى سنتين، لم أستطع بهذا إذاً أن أرضي أبي، وساءت علاقتي به كثيراً عندما بدأت بممارسة الديّن والذهاب إلى الجامع، خصوصاً بعد وصول حماس إلى السلطة في غزّة، الذي كان تغييراً جذريّاً في توجّهي. صرت أحاول الذهاب يوم الجمعة صباحاً إلى الجامع الذي يصلّي فيه خالد مشعل، قائد حماس، الذي كان موجوداً في ذلك الوقت في دمشق. تعرّفتُ وقتها على شخص شديد الإيمان والالتزام اسمه ليث عباس، كان رفيقي ومرشدي، وصرت أقرأ ابن تيميّة، وكتب لشيوخ أخرى رسّختْ عقيدتي. بدأتُ أغيّر في هندامي وأطلقت لحيتي. ذلك لم يكن يعجب أبي وزاد الشرخ بيننا. لكنّ الأحداث خدمتني بالتدريج فبعد أحداث الحادي عشر من أيلول في نيويورك الذي تبنّاها أسامة بن لادن، وهو من أكثر أتباع ابن تيميّة إخلاصاً، ومن الأشخاص الذين كنت قد بدأت الإعجاب بهم كثيراً، وأردت بشدّة الذهاب إلى أفغانستان، لكن ذلك كان صعباً للغاية في تلك الفترة، ومن ثمّ بدأ الاجتياح الأمريكي على العراق الذي فتح لي بوابة الجنّة، قلت حينها لصديقي؛ ها هي فرصتنا للجهاد في سبيل الله والوطن، وذهبنا إلى العراق.
روجاڤا…
لقد سكن الكرد هذه المنطقة منذ آلاف السنين، مثلهم مثل كلّ الأقليّات، ولأكون أكثر تحديداً؛ إنّهم مثل كل أهل سوريّا، الذين كانوا هنا قبل وصول الديانات التوحيديّة واختار الكثير منهم عبر السنين اعتناق هذه الديانات واحدة تلو الأخرى، دون أن يلغوا ما هم عليه، أو تلك الثقافات السابقة التي دمجوها أيضاً في بوتقة وجودهم ومرونتهم الذين لا يُحدّان. لهذا لم تكن الديانات الإبراهيميّة التوحيديّة سوى إضافات جديدة لهويتهم الألفيّة، التي حافظت عبر السنين، على أجزاء لا تحصى من تلك الثقافات والأديان. وعندما خضعوا لتسلّط الامبراطوريّة البيزنطيّة وكنيستها، مهّد الطريق أمام المسلمين، الذين جاؤوا إلى بلاد الشام في عصر الخلفاء الراشدين، وهم ينادون بتطبيق تعاليم المساواة الاجتماعية. أهل بلاد الشام نفسهم الذين كانوا بمعظمهم قد اعتنقوا الديانة المسيحيّة قبلاً، وغيرهم مَن كانوا قد حافظوا على ديانتهم، التي اعتنقوها قبلاً كاليهوديّة والديانات قبل التوحيديّة. هم أنفسهم بدأوا بدخول الإسلام ليتجنّبوا الجزية باهظة الثمن. لكن الخلافة تحوّلت بسرعة إلى ملكيّة بعد أن انتصر معاوية بن أبي سفيان والي دمشق بحروبه ضدّ الثورات التي انتصبت أمامه كالشيعة والخوارج وثورة مكّة. إنّ ذلك الجوّ السياسي الاجتماعي الذي انتقلت فيه الخلافة من مكّة إلى دمشق وتحوّلت من خلافة إلى ملكيّة تُورّث، قَسّم أهل المنطقة على الصعيد الطائفي الديني إلى عدّة أقسام، ولا تندهشوا إن قلت لكم أنّ تلك الحقبة التي مرّ عليها أكثر من ألف وخمسمئة سنة ما زالت نتائجها حتّى الآن. لهذا تجدون أكثريّة شيعيّة في العراق وأكثريّة سنيّة في سوريا. أمّا الكرد الذين عاصروا تلك الفترة وصار منهم شيعة وآخرون سنّة، وبقي غيرهم على الدين المسيحي أو اليهودي، وحتى منهم مَن حافظ على معتقداته غير التوحيديّة. بمعنى آخر كان الشعب الكردي كأخ صغير لمجموع الأخوة في هذه المنطقة. يشبهون بعضهم البعض في كل تفاصيل وجودهم. ورغم هذا التنوّع لكنّهم حافظوا على قوميّتهم الكرديّة طوال الوقت، وحافظوا على الانتقال بين الترحال في جبال وسهول هذه المنطقة وبين الاستقرار بحسب المرحلة والظروف. أنشأوا ممالك ذات شأن امتدت حتى شواطئ البحر المتوسط ودمشق، لكنّها كحال كل شيء انتهت واختفى الكثير من آثارها. رضخوا للكثير من الامبراطوريات وصمدوا أمام الاضطهاد والقتل وبقوا! كان ارتباطهم ببعضهم قويّاً من الناحية الجغرافيّة، التاريخية واللغة التي يتكلمونها.
وعندما بدأت الحركات القوميّة في الصعود في أوائل القرن العشرين كان الكرد مستعديّن وتوّاقين.
كانت تلك الحركات القوميّة تتأجج في المنطقة، أوّلاً كامتداد للحركات القوميّة في العالم التي أخذت مكاناً أساسيّاً في الحركات السياسيّة العالميّة، ولكن أيضاً وبشكل خاص في المنطقة كَردّ على الاحتلال العثماني الذي دام ٤٠٠ سنة بعد سقوط العباسيين، والممالك الصغيرة التي تبعتهم. بالطبع كانت الحركات القوميّة الأكثر انتشاراً، والأقوى صوتاً، تلك التي تنادي بالوحدة العربيّة الجامعة للشعوب التي تتكلم اللغة العربيّة في الوطن العربي.
وبعد خسارة العثمانيين في الحرب العالميّة الأولى، والوعد الذي حصل عليه الحكام العرب من المعسكر المنتصر، بتشكيل دولة ذات طابع عربي إسلامي في بلاد الشام لم تشمل أبداً الأقليّات غير العربيّة. ثم جاءت اتفاقيّة سايكس ـ بيكو الفرنسيّة البريطانيّة التي قسّمت بلاد الشام، إلى قطاعات خاضعة للوصاية الأوروبية. لم يكن ذلك التقسيم قائماً على حاجات الشعوب أو متطلباتها، ولم يكن يعتمد على أي أساس جغرافي أو تاريخي، فتمّ تشكيل بلدان تسكنها شعوبٌ متشابهة لحدّ كبير لكنّها ذات حدود متخيّلة فصلت بينها وباعدتها سنة بعد سنة عن بعضها البعض.
لكن هذا التقسيم لم يكن سوى صورة كبيرة، تحتضن وتخفي التقسيم الأكثر عنفاً الذي أصاب القوميّة المتجذرة بعمق للكرد، فقد مرّت خطوط التقسيم عبر مدنهم وقراهم وتوزّعت العائلات على طرفي الحدود الوهميّة. ورغم أنّ بنود الاتفاقية سمحت للأهالي التي تعيش قرب الحدود، التي رُسمت كما يرسم طفل على ورقة مسودّة بيضاء، باختيار البلد وأخذ جنسيّته. لكن لم يكن ذلك بالنسبة لهذه العائلات إلا كمن عليه أن يختار بين إحدى رئتيه اليمنى أو اليسرى، ما إن يختار إحداها حتى يكون قد تخلّى إلى الأبد عن الأخرى، وأصبح الجيران فجأة، بتوقيع قلم، ينتمون لبلدين مختلفين، وأجبروا مع الوقت على التكلّم بلغتين مختلفتين، لم تكن ولا واحدة منهما لغتهم الأصليّة. وهكذا توزع شعبهم في أربع بلدان مختلفة هي إيران، العراق تركيّا وسوريّا.
ثم ظهر حزب البعث العربي الاشتراكي، استجابة للحركة القوميّة العربيّة، محاولاً إعادة الثقة والوحدة للشعوب التي تتكلّم بأغلبيتها اللغة العربيّة. في مبادئه الأساسيّة (أمّة عربيّة واحدة، ذات رسالة خالدة) أقصى حزب البعث، عند وصوله إلى السلطة في سوريا والعراق، الكرد من أي مشاركة سياسيّة أو اجتماعية فهم لا ينضون تحت شعاراته. وصاروا فجأة أجانب يجب الحذر منهم في ظلّ الديكتاتوريات التي بدأت تظهر ببطء، ولكن بشكل جليّ. كان الظلم يشمل الجميع لكنّه كان مُضاعفاً على الكرد. فبحكم أنّهم لم يُعتبروا عرباً (وبقي هذا التصنيف الذي يعتمد على إقصاء مجموعة بشريّة، بسبب عامل واحد هو اللغة، رغم تجذرها في المنطقة، وانصهارها مع كل المكونات الأخرى في كل العوامل الأخرى، كان ساذجاً ومُضعفاً لهذه الحكومات). تم إقصاؤهم من العمليات السياسية، من الوظائف، ومن الكثير من مزايا التعليم خصوصاً البعثات الداخليّة أو الخارجيّة، والوظائف. أما أبواب الانتساب للشرطة أو الجيش فكانت مغلقة تماماً. رغم ذلك امتلكت المناطق ذات الأكثريّة الكرديّة في سوريا، نفس التنوع السياسي والفكري للأطياف السوريّة الأخرى. هم لم يطالبوا بدولة قوميّة خاصة بهم، ولا حتى بتغيير السلطة في دمشق وكانت الأحزاب متنوعة يساريّة ويمينيّة وحتى إسلاميّة، والتي كما في المناطق السوريّة الأخرى، تحوّلت بالتدريج تحت وطأة الملاحقة إلى النضال السريّ. كان جلّ اهتمامهم هو تحسين المسألة الكرديّة وإدماجها بشكل كامل في البوتقة السوريّة، بدئاً بإعطاء الجميع حقوقهم المدنيّة، وتحسين الخدمات في مناطقهم المهمشة والمعزولة.
ربما كان الكرد هم المجموعة القوميّة التي قامت بأكثر عدد من الثورات لتحقيق هويتها في المنطقة حتى قبل سايكس ـ بيكو. لقد بدؤوا ضد الامبراطوريّة العثمانيّة التي حاولت طمس هويتهم. منذ ذلك الوقت ظهرت أوّل الإشارات التي نبّهت الكرد إلى ضرورة تمسّكهم بقومتيهم والتنظيم للدفاع عنها، فالاندماج في سياق رفض كامل من الآخر لم يكن ممكنناً. إما الدفاع عن الهويّة أو غيابها، وربّما فناء ناسها. تعزز لديهم هذا الإحساس عندما تم رفض اتفاقيّة سيفير (Sévere) بين المعسكر المنتصر والسلطة العثمانيّة عام ١٩٢٠والتي أقرّت وجوب إقامة دولة كرديّة ودولة أرمنيّة. لم يمضِ سوى ثلاث سنوات حتى تم إلغاء تلك الاتفاقية واستبدالها باتفاقيّة (Lausanne) التي أعطت تركيا السلطة الكاملة على أراضي كردستان. لم تتأخر الدولة التركيّة بمنع اللغة الكرديّة في المدارس، كما منعت كل شكل تنظيمي كردي سياسي أو اجتماعي وصار النشر باللغة الكرديّة جريمة يعاقب عليها القانون. من هنا بدأت الثورات الكرديّة تتابع. ثمّ، كما أخبرتكم سابقاً، قام حزب البعث الحاكم في العراق عام ١٩٦٢، بعد توليّه بفترة قصيرة بأوّل مجازر بحقّ الكرد، ولكي تعزز السلطة في سوريّا مبدأ حزبها العروبي، أرسلت لواءاً كاملاً لمساعدة الحكومة العراقيّة في حربها ضدّ الكرد، وكما يُقال “أوّل الغيث قطرة”. كانت هذه الحرب بداية مأساة طويلة الأمد واجهها الكرد مع السلطات في هذين البلدين حديثي التشكّل، ولو أنّها أخذت شكلين مختلفين. ففي العراق حاول الكرد، الذين بدؤوا ينظّمون أنفسهم بلقاء صدام حسين، وعقد اتفاقات تحميهم لكنهم تعرّضوا للعزل ونالهم قسطاً كبيراً من القتل والتعذيب من قبل الجيش العراقي، كان أسوأها عام ١٩٨٨ عندما قام الضابط المسؤول عن المنطقة الشماليّة علي حسن المجيد بقصف مدينة حلبجة الكرديّة بالأسلحة الكيماويّة. أمّا السلطات السوريّة فكانت أكثر مكراً. هي لم تحاول أن تختلق مواجهة مباشرة مع الكرد، مستفيدة من العدد الأقل نسبيّاً للكرد في سوريّا بالمقارنة بالدول المجاورة، وإنّما قامت بإقصائهم وعزلهم في مناطقهم ببطء على المدى الطويل. بدأت الدولة السوريّة ذلك بإحصاء عام ١٩٦٢ هو نفس عام المجازر ضد الكرد في العراق. في إحصاء ذلك العام الذي تم في يوم واحد (كما قال من شهدوه) سحبت الدولة السوريّة الجنسية من أكثر من ١٢٠٠٠٠٠ مواطن كردي، وقسّمتهم إلى ثلاث فئات؛ حاملو الجنسيّة، محرومي الجنسيّة لكنّهم يملكون قيد مدني أي مسجلين في سجلات الدولة ويطلق عليهم أجانب الحسكة، وأخيراً مكتومي القيد وهم الكرد محرومي الجنسيّة والقيد المدني، الذين حرموا من كل حقوقهم المدنيّة بما فيه التملّك وحق تسجيل الزواج. لم تغيّر حكومة حافظ الأسد ذلك المرسوم التشريعي الذي أقصى مئات الآلاف من الكرد، ولم تسمح بإدخال اللغة الكرديّة في المدارس أو ممارستها داخل الدوائر الحكوميّة حتى في المناطق ذات الأغلبيّة الكرديّة الساحقة، كان الأطفال يتعلّمون اللغة العربيّة، كي يحصلوا على فرصة واهية بإكمال تعلّمهم أو الحصول على وظائف وتعلّم المهن. كما رفضت إعادة الجنسيّة للكرد السوريين أو إعطاء الجنسيّة إلى الكرد الذين هربوا من بطش حكومات الدول المجاورة ولجأوا عبر الحدود إلى سوريّا. وحتى الذين تزوجوا من أشخاص سوريين، لم يأخذوا الجنسيّة السوريّة ولم تعطِ الدولة الجنسيّة حتى لأولادهم. وهكذا نشأت عدة أجيال من الكرد على الأرض السوريّة تتنفّس، تأكل وتشرب، تلعب وتضحك. تتكلّم لغتها الأم في البيوت، وتحاول بشقّ الأنفس أن تعيش حياة كريمة، لكنّها لا تملك أي إثبات على وجودها على وجه الأرض.
لم يكتف حافظ الأسد وحكومته بذلك، بل تابع نفس أسلوب الإقصاء الماكر، وغير المباشر ضد الكرد كمجموعة أجنبيّة لا تنتمي للمجتمع السوري، الذي بدأه حزب البعث في عام ١٩٦٣. ففي عام ١٩٧٤ عندما تمّ الانتهاء من تشييد سدّ الفرات، وتشكلت خلفه بحيرة “الأسد” كما سمّتها الحكومة آنذاك. غمرت هذه البحيرة آلاف المنازل للقرى المجاورة للسد والتابعة لمحافظتي حلب والرقة، أصدر حينها حافظ الأسد مرسوماً تشريعيّاً متمثلاً بالقرار ٥٢١ تم بموجبه الاستيلاء على أراضي خصبة واسعة من ملّاكها الكرد في محافظة الحسكة، وتمّ إعطائها للعرب المتضررين من بناء السدّ وسموّ حينها بالمغمورين. امتدت هذه الأراضي على شكل حزام طويل من مدينة ديريك حتى سيري كانيه، وبلغ طوله ٢٧٥ كيلومتراً وعمق ١٥ كيلومتراً، على الحدود السورية التركيّة وسمّي بالحزام العربي أو الحزام العاشر. كان عدد القرى الكرديّة المتضررة حوالي ٣٥٠ قرية أجليت من سكّانها الأصليين، وأعطيت كاملة للعائلات العربيّة. نزح حينها أكثر من أربعين ألفاً من السكان الكرد إلى الحسكة.
لم يُهجّر فقط ذلك القرار الآلاف من الكرد، بل ذهب إلى أبعد من ذلك. لقد كان بشكل من الأشكال امتداداً للفصل الذي أحدثته الحدود المرسومة بين سوريا وتركيا، فقد أصبح الخط العاشر حدّاً بشريّاً بين الكرد من على طرفي الحدود، والذين كانوا حتى وقت قريب عائلة واحدة. ليس هذا فحسب فقد أخذت الحكومة بتغيير أسماء القرى لتحمل أسماء عربيّة، وكانت السلطات تضغط على الناس كي يسموا أبناءهم بأسماء عربيّة.
في عام ٢٠١١ بعد عدّة أشهر من انطلاق ما سمّوه الثورة السوريْة وقمت بيديّ هاتين بإجهاض مضمونها وهدفها، أصدر بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم ٤٩ الذي منح فيه الجنسيّة لأجانب الحسكة، فهل كان ذلك القرار محاولة منه لضم الكرد إلى صفّه بعيداً عن أي تفكير بالعدالة المدنيّة. بكل الأحوال يبدو أنّ ذلك القرار كان قد جاء متأخراً جدّاً.
طبعاً لم يكن الكرد في تركيا وإيران بأفضل حالاً بين تهميش، عزل، وتخوين، وسجن، وقتل. وبقي الكرد لعشرات السنين ينتقلون بين هذه البلدان الأربعة هاربين من البطش حكومة بلد إلى بلد آخر، آملين بأمان هش وكاذب.
كانت الهويّة الكرديّة في حالة انشقاق كامل بين الدول الأربعة التي ظلّت حكوماتها (وما زالت) تستخدم الأقليات الكرديّة كورقة ضغط على جيرانها، مما أدّى في بعض الأحيان إلى نشوب نزاعات مسلّحة بين الكرد نفسهم كما حدث أثناء الحرب الإيرانيّة العراقيّة.
في عام ٢٠٠٤ قام الكرد السوريين بانتفاضة تم قمعها بوحشيّة وقتل الكثير تحت وابل الرصاص أو أثناء التعذيب. لقد كانت تقريباً أوّل انتفاضة كرديّة لأكراد سوريّة، سبع سنوات قبل خروج كافة السوريين بكل أطيافهم إلى الشوارع. لكن لم يبدأ كرد سوريّا بتنظيم أنفسهم على نطاق واسع إلا بعد بدء الثورة السوريّة وتحوّلها سريعاً إلى حرب أهليّة. في عام ٢٠١٢ تراجع الجيش السوري أمام قوات الدولة الإسلاميّة في السوريا والعراق، كانت قواتنا تتقدّم لكن تنظيم الكرد وبأسهم أوقفنا، فقد قامت قوّات حزب العمل الكردستاني باستغلال هذا الظرف، واستولت على ثلاث قطاعات كبيرة هي عفرين كوباني وما يسمى بالجزيرة السوريّة في شمال البلاد. هذه لم تكن النهاية بالنسبة لنا، فمن ناحية كانوا السبب، أو بالأحرى الذريعة التي سمحت لتركيّا صديقتنا، بدخول شمال سوريّا وصارت تقصفهم وتهاجمهم دون كلل، ومن ناحية أخرى بقينا نقاتلهم ودخلنا عفرين واستبحناها وقتلنا الكفار منهم وأخذنا نساءهم وخاصة الإيزيديّات.
حدث ذلك منذ حوالي ١٤ سنة، في ذلك الوقت لم يكن كرد سوريا منظمين أو مسلّحين على النطاق الواسع، لكن اليوم وبعد أن صرت الرئيس الخالد الجديد لسوريا، أصبح وراء كرد سوريّا أربعة عشرة سنة من الخبرة والتجربة والعمل كقوميّة مستقلّة، وشكّلوا إقليم الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا (ROJOVA)، وهنا يكمن خطرهم علينا. لكن في الحقيقة هذه الخبرة ليست مكمن الخطر الأساسي، فأنا أملك الأسلحة والدعم المادي صنبوراً لا يتوقف، ولديّ جنود تحت إمرتي جاؤوا من أقصى غرب حتى أقصى شرق الكرة الأرضيّة. لكن ما يجمع الكرد ليس نفسه ما يجمع جنودي الذين يتكلمون كل اللغات. لقد أسس الكرد نظاماً اجتماعياً سياسياً وعسكرياً عالي المستوى وقائم على وحدتهم القوميّة. نظامهم هذا قبِل الآخر وأدخل المرأة في العملية الاجتماعية، السياسيّة وحتى العسكريّة. أما جنودي فماذا يجمعهم، غير الذبح، سبي النساء للمتعة والتجارة، سرقة البيوت بعد ذبح ناسها وحرقها بعد التأكد أنّهم أخذوا كل ما هو ثمين، ألم تشاهدوا الفيديوهات التي خرجت من الساحل ومنطقة السويداء محمّلة بالأثاث حتى التخمة. مواجهتهم الآن غير ممكنة لأنّهم أكثر تنظيماً وتحضراً، لكن ذلك لن يدوم. فالتتار عندما وصلوا إلى بغداد عاصمة الحضارة وقتها محوها هي وحضارتها عن الوجود.
السياسة فنّ حرب ناعم وحساس، نستطيع فيه أن نهاجم الآخر دون أن نظهر كمغتصب، بل وحتى يمكننا أن نبدو الأخيار الذين يبحثون عن الحلول، ويبدو الآخر هو الرافض الانفصالي. ففي الوقت الذي قامت حكومتي بإعطاء كامل الحريّة للجماعات المسلحة السلفيّة التي كانت تعيث فساداً في العراق وسوريّا وبلدان أخرى فأدخلناهم الجيش وأسميناهم كتائب وألوية، وأعطينا قوادهم دون المرور بأي مسار تنظيمي أو دراسة أكاديميّة، رتباً عالية في الجيش تاركين المجموعات في جوهرها كما كانت غير منظمة أو متعلّمة لا انتماء مشترك بينها ولا قيم تجمعها. لكن بالنسبة للمجموعات الكرديّة المسلحة والمنظّمة ذات تراتبيّة موثوقة، والتي تحمل قيم واحدة متجذّرة وقديمة، تربطهم ببعضهم البعض، تتجاوز إلى حدّ كبير التنظيم المسلّح لتكون رابطاً اجتماعياً وثقافياً متماسكاً، لهذا السبب بالضبط طالبناهم بحلّ مجموعاتهم المسلحة وتسليم أسلحتهم والانطواء فرادى تحت إمرة جيشنا وأمراءه. فإن لم نكن قادرين أن نسيطر عليهم ثقافيْاً فلماذا لا نسيطر عليهم بقوة السلاح، بالضبط كما فعلنا في الساحل السوري. كنا نعرف أن النتيجة ستكون الرفض لأنّ حلّهم يعني نهاية ما قاموا ببنائه عبر سنوات.
ولكي أصدقكم القول أنّ مشروعي يختلف عن جحافل التتار الذين أقودهم. فما دام الكرد أكثر تنظيماً هذا يلائمني ويوافق السبب الذي جئت إلى السلطة من أجله، وحتى لو طالبت حكومتي بانطوائهم تحت سلطتها لكنّ رفضهم وبقاءهم قوميّة ” انفصاليّة” كما نسميّهم يخدم ما جئت من أجله. سيُبقي الانقسام الداخلي في البلد كما هو. هل تفهمون؟




