آخر الأخبار
حركة التجديد الكردستانيسوريا

تركيا ليست جادة في مشروع السلام مع الكُرد: قراءة في التجربة التاريخية وسياق التحولات الإقليمية

منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك وعلى حساب الكرد عام 1923، شكّلت المسألة الكردية أحد أبرز التحديات البنيوية للدولة ورغم تعدد المبادرات التي طُرحت تحت مسميات “السلام” أو “الانفتاح الديمقراطي”، إلا أن التجربة التاريخية حتى اليوم تُظهر نمطًا متكررًا استخدام هذه المبادرات كأدوات تكتيكية مؤقتة لا كمشاريع استراتيجية لحل جذري وعادل

أولاً: الجذور التاريخية لغياب الثقة

منذ البدايات عندما خان اتاتورك الكرد بالوعود التي وعد بها إبان إنقاذ تركيا وتأسيس دولتهم الحديثة اعتمدت الدولة التركية سياسة الإنكار والدمج القسري تجاه الهوية الكردية وظهر ذلك جلياً بقمعهم للانتفاضات والثورات الكردية مثل ثورة الشيخ سعيد ومجزرة درسيم قوبلت بعنف شديد، ما رسّخ قناعة عميقة لدى الكرد بأن الدولة لا تتعامل معهم كشريك بل كتهديد يجب احتواؤه

هذه الخلفية التاريخية ليست مجرد ذاكرة، بل عنصر حيّ يفسّر سبب التشكيك المستمر في أي مبادرة تركية.

ثانياً: مسار “السلام” كتكتيك مرحلي

أبرز مثال حديث هو عملية السلام التي انطلقت في 2013 بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني بوساطة غير مباشرة من القائد عبد الله أوجلان هذه العملية لم تأتِ من فراغ بل في سياق:
• حاجة داخلية لتهدئة الجبهة الكردية.
• سعي لتعزيز صورة تركيا دوليًا.
• رغبة في تمرير تعديلات سياسية داخلية.
.والأهم استخدام القضية الكردية وسيلةً لحماية نفسها من التغييرات القادمة للمنطقة كوسيلة مرحلية حيث انقذ اتاتورك آنذاك تركيا بالكرد واليوم ومن خلال سياساتها تهدف مرة أخرى إلى استخدام الكرد كوسيلة لحماية هذا الدولة الغاصبة

لكن مع تغير المعطيات خصوصًا بعد صعود الكرد في سوريا عبر وحدات حماية الشعب—انقلبت السياسة التركية بشكل حاد وانتهت العملية عام 2015 لتعود المواجهة العسكرية بقوة.

هذا التحول السريع يعكس أن “السلام” لم يكن خيارًا استراتيجيًا، بل أداة ظرفية

ثالثاً: هاجس الدولة العميق هو وحدة الأراضي!

تتعامل أنقرة مع القضية الكردية من زاوية أمن قومي بحت أي اعتراف سياسي حقيقي بالكرد سواء في الداخل أو في الجوار يُنظر إليه كتهديد مباشر لوحدة الدولة المصطنعة اصلاً والغاصبة للجزء الأكبر من كردستان

لذلك، فإن:
• أي تجربة حكم ذاتي كردية في المنطقة تُقابل بالرفض.
• يتم الربط دائمًا بين الحقوق السياسية الكردية و”الإرهاب”.
• تُستخدم العمليات العسكرية خارج الحدود كوسيلة استباقية.

رابعاً: العامل الإقليمي وتحولات ما بعد إيران

في ظل الحديث المتزايد عن تحولات محتملة في إيران تخشى تركيا من إعادة رسم التوازنات في المنطقة خاصة إذا أدى ذلك إلى:
• صعود قوى كردية جديدة.
• تغير في خرائط النفوذ.
• دعم دولي لمشاريع لامركزية أو فيدرالية.

ضمن هذا السياق، يصبح “مشروع السلام” مجرد أداة لشراء الوقت، وليس نية حقيقية للحل فتركيا تسعى إلى:
• تحييد الكرد داخليًا مؤقتًا كونها النافذة الأساسية والمهمة التي تدخل من خلالها رياح التغيير إلى المنطقة
• منع تشكّل كيان كردي إقليمي متصل.
• الحفاظ على موقعها كقوة إقليمية مستقرة.

خامساً: ازدواجية الخطاب والممارسة

الخطاب السياسي التركي غالبًا ما يتحدث عن “الأخوة” و”الوحدة”، لكن الممارسة على الأرض تعكس:
• استمرار الاعتقالات بحق سياسيين كُرد.
• تقييد العمل الحزبي تجاه الأحزاب الكردية .

في الخلاصة، لا يمكن التعاطي مع الموقف التركي بوصفه مشروعًا جادًا لتحقيق سلام مستدام سواء في شمال كردستان أو في غربها فالمعطيات والتجارب تؤكد أن ما يُطرح ليس إلا تكتيكات مرحلية تخدم حسابات آنية لا رؤية حقيقية للحل وعليه، فإن على الكرد قيادةً وشعبًا أن يتحلّوا بأعلى درجات اليقظة السياسية وأن يتعاملوا مع هذه السياسات بوعي استراتيجي يحفظ مصالحهم ويمنع تكرار خيبات الماضي
وإنطلاقاً من ذلك ومن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقي أطرح بعض النقاط كحل يمنع ما تخطط له حكام تركيا والأنظمة الغاصبة لكردستان:
١-ضرورة بناء موقف كردي موحّد يستند إلى رؤية سياسية واضحة بعيدًا عن الانقسامات الحزبية الضيقة.
٢- عدم الركون إلى الوعود التركية أو التعويل عليها دون ضمانات دولية واضحة وملزمة.
٣-تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع الأطراف الدولية الفاعلة بما يخدم تثبيت الحقوق المشروعة للشعب الكردي وفقاً لمواثيق الأمم المتحدة
٤-الاستثمار في بناء مؤسسات قوية وشفافة تعبّر عن إرادة الشعب وتحصّن القرار السياسي.
٥- رفع مستوى الوعي الشعبي تجاه طبيعة السياسات المرحلية لتفادي الانخداع بالشعارات المؤقتة.
٦- التمسك بخيار الحوار، ولكن من موقع قوة وتوازن، لا من موقع رد الفعل أو الحاجة والإصرار على الحقوق المشروعة.

وبذلك يكتمل التشخيص والتحذير، وتقديم مسار عملي للتعامل مع الواقع
د. رزگار قاسم
رئيس حركة التجديد الكردستاني -سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى