
الدفاع الذاتي الديمقراطي: من رحم الانهيار إلى ولادة وطنٍ يُمارَس لا يُفرض
بقلم: الأستاذ أنس المرفوع
بين انهيار الدولة وولادة الدفاع الذاتي الديمقراطي
حين اندلعت شرارة الثورة السورية لم تكن دعوة للعنف ولا نداءً للفوضى بل كانت صرخةَ كرامةٍ من شعبٍ طالما سُحق تحت نير الاستبداد. لكن النظام البائد بدل أن يصغي إلى وجع شعبه، اختار أن يردّ بالرصاص والتنكيل، محوّلاً الدولة التي من المفترض أن تكون حاميةً للمواطنين إلى آلةٍ للقمع والتهجير والإبادة. وفي تلك اللحظة المصيرية، حين خانَت الدولةُ وظيفتَها الأخلاقية والسياسية، وغدت مصدرَا للخطر بدل أن تكون درعَ الأمان، لم يبقَ أمام الشعوب المقهورة سوى البحث عن أشكالٍ جديدة من الحماية؛ لأن البقاء نفسه أصبح رفاهيةً لا يُسمح بها إلا لمن يملك سندًا. هنا لا يمكننا أن نستغرب إذا ما التفت أحدُ المكونات السورية بعد أن فقد كل ثقةٍ بالدولة المركزية القامعة نحو قوى محلية أو حتى خارجية، طالبًا الحماية أو التحالف. فعندما تتخلّى الدولةُ عن دورها كضامنٍ للعدل والمساواة والأمن وتتحوّل إلى مشروعٍ إجرامي منظّم يستهدف شرائح مجتمعه ذاته، فإن الشعب لا يعود مُلزمًا بالولاء لها. بل على العكس، يصبح لديه حق في الدفاع عن وجوده من خلال طلب الدعم، وفي بناء بدائلٍ حمائية، ليصبح جزءًا من مشروع مقاومةٍ ضد الإبادة والتهجير. ومن خلال ذلك نتأكد بأن الدولة القومية الحديثة، ليست حاملةً للديمقراطية بل هي أداةٌ للهيمنة، تُهمّش التنوّع وتُكرّس المركزية على حساب الشعوب والثقافات. وقد كان هذا النموذج، في سياقه السوري، كارثيًا: دولةٌ أمنيةٌ قمعيةٌ حوّلت المجتمع إلى ساحةٍ للرقابة، والخوف، والتهميش والقتل والإبادة والتهجير. ولم تُبنَ على الثقة، بل على الشكّ؛ ولم تُشيد على المشاركة، بل على الإخضاع. والنتيجة؟ مجتمعٌ مشظّى، يبحث كلّ جزءٍ منه عن طوق نجاةٍ خارجي، ليس لأنّه خائن بل لأنّه فقد الأمل في أن اي نظام حاكم بعد نظام الأسد المجرم سيكون دولةً لكلّ السوريين. ولذلك فحين يُمارس أي طرفٍ سياسةً مشابهة لسياسة نظام الأسد المجرم البائد الذي حوّل سوريا إلى مسلخ وسجنٍ كبيرٍ لكل من يختلف معه فليس من العجب أن يجد نفسه وحيدًا، بينما تبحث المكونات المظلومة عن سبلٍ للنجاة خارج إطاره المدمّر.
السلام الذي يُمارَس لا الذي يُفرض
فحقيقة إن الديمقراطية الحقيقية، لا تُبنى على الهيمنة ولا على الإنكار، بل على الاعتراف المتبادل، واللامركزية، والثقة بين المكونات. وهي لا تُفرض من فوق، بل تنبت من أسفل، من رحم المعاناة والوعي الجمعي. بل هي حياةٌ جماعيةٌ تنبثق من الوعي الذاتي للمجتمعات، وتتغذى بالمشاركة اليومية، والاعتراف المتبادل، واللامركزية العضوية. ولذلك، فإن أي مشروعٍ وطنيٍّ حقيقي اليوم يجب أن يبدأ باعترافٍ صريحٍ بفشل الدولة القمعية، وبضرورة بناء نظامٍ سياسي جديد، لا يُقصي أحدًا، ولا يُجبر أحدًا على الاختيار بين الذلّ أو النفي. فحقيقة ان أي طلب للحماية من طرفٍ خارجي في ظل النظام الجديد لا يعد عارًا، بل هو مؤشرٌ صارخٌ على عمق الجرح الذي خلّفه النظام البائد وعلى عجز النظام الحالي المزمن على أن يكون دولةً لكل السوريين أو أن يكون دولةً اجتماعية بالمعنى الحقيقي أي دولةً قائمة على العقد الاجتماعي، لا على البنادق. حقيقة الحل ليس ببناء نظامٍ سياسيٍّ جديد في سوريا بل أن يبدأ باعترافٍ صريحٍ بفشل الدولة القمعية، وبضرورة استبدالها بنموذجٍ لامركزيٍّ، تعدديٍّ، يُعيد للشعوب ثقتها بأنها قادرةٌ على حماية نفسها بنفسها. ليس بالسلاح وحده، بل بالعدالة، والمشاركة، والاعتراف المتبادل. فالسلاح بدون مشروعٍ ديمقراطيٍّ يتحول إلى وسيلةٍ جديدةٍ للهيمنة. أما الديمقراطية بدون سلاحٍ دفاعيٍّ مجتمعيٍّ فهي حلمٌ عرضةٌ للسحق. لذا، فإن الحل لا يكمن في إعادة إنتاج المركزية باسم السيادة، ولا في تعميق الإنكار والصهر باسم الوحدة الوطنية، بل في بناء مجتمعاتٍ ديمقراطيةٍ ذاتية التنظيم — مجتمعاتٍ تُقرّر مصيرها بنفسها، وتتعايش مع غيرها على أساس المساواة، لا التبعية. في هذا النموذج، اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل جوهر الوجود الجمعي؛ والثقافة ليست ترفًا، بل أساس المقاومة السلمية؛ واللامركزية ليست انفصالًا، بل شرطٌ للوحدة الحقيقية. فحقيقة ان السلام الحقيقي لا يأتي من اتفاقاتٍ فوقيةٍ تُوقّع في غرفٍ مغلقة، بل من أسفل: من حوارٍ يوميٍّ بين العربيٍّ والكرديٍّ، بين المسلمٍ والمسيحيٍّ، بين الدرزي والعربي، بين السني والعلوي، بين الرجلٍ والمرأة، يبنون معًا مدرسةً، زراعةً، مجلسًا محليًّا. إنه السلام الذي لا يُفرض، بل يُمارس. وهو الوحيد القادر على شفاء الجراح، وإعادة بناء الثقة، وهذا هو جوهر الدفاع المجتمعي الذي هو ليس مجرد تشكيلات عسكرية أو دروعٍ بشرية، بل هو شبكةٌ حيّةٌ من العلاقات الديمقراطية حيث يصبح كل فردٍ حارسًا على كرامة الآخر، لأنّ كرامته مرتبطةٌ بها. أي تُبنَ الحماية من أجل الحماية وليس من أجل التسلّط، وأن تكون المدارس تعلم كل مكون بلغته الأم وأن تكون كل المكونات شريكةٌ في صنع القرار وفي الدفاع عن مجتمعها. وهذا جوهر الدفاع الذاتي الديمقراطي. الذي يجعل كلّ سوريٍّ يقول بصدق: “هذا وطنٌ لي، وليس سجنًا”.




