
الكُرد ومعادلات الشرق الأوسط الجديد: بين تحديات الواقع وفرص المستقبل
بقلم: د. رزگار قاسم
نهاية مرحلة وبداية أخرى: شرق أوسط جديد وصراع قديم متجدد
لطالما كان الشرق الأوسط مسرحًا لصراعات نفوذ شرسة بين مراكز القوى العالمية، حيث تشابكت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية مع النزاعات القومية والطائفية، لتشكل خارطة متغيرة باستمرار من التحالفات والانقسامات. لعقود، ظل ما يُعرف بـ”محور المقاومة” يقدم نفسه كقوة ممانعة، يرفع شعارات التصدي للهيمنة الأجنبية والدفاع عن قضايا الشعوب المستضعفة، بينما كان في جوهره يمارس أشد أشكال الاستبداد والقمع ضد الشعوب التي يزعم تمثيلها. كان هذا المحور، الممتد من طهران إلى بيروت مروراً بدمشق، يُظهر نفسه كرقم صعب في المعادلات السياسية والعسكرية، مدعومًا بشبكة من الميليشيات والأذرع المسلحة التي بسطت نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، محولة هذه البلدان إلى ساحات معارك بالوكالة، يقتات فيها من الفوضى والانقسامات.
إلا أن التطورات الأخيرة كشفت هشاشة هذا البناء القائم على الشعارات الرنانة والاستبداد والقوة العسكرية وحدها. فمن الضربات الموجعة التي تلقاها في سوريا والعراق، إلى التغيرات الجذرية في أولويات مراكز القوى العظمى، وجد محور المقاومة نفسه في حالة انكماش استراتيجي غير مسبوقة. لم يعد اللاعب الذي لا يُقهر أمام شعوبه، ولم يعد الصوت الوحيد في معادلة الشرق الأوسط، فقد باتت هناك قوى أخرى تنافسه، وأوضحت التحولات الإقليمية أن الشعوب لم تعد مستعدة لأن تكون وقودًا لمشاريعه التوسعية والعنصرية الشوفينية في بعض الأحيان.
وسط هذه التحولات، يبرز سؤال جوهري حول مصير القوميات والأقليات، التي لطالما كانت في قلب هذه الصراعات، ليس كأطراف فاعلة، بل كضحايا دائمة. وعلى رأس هذه القوميات، يقف الشعب الكُردي، الذي ظل طوال القرن الماضي محورًا رئيسيًا في معادلات التوازنات الإقليمية، ليس فقط بسبب موقعه الاستراتيجي وجغرافيته المتشابكة بين أربع دول، بل أيضًا بسبب نضاله المستمر من أجل حقوقه القومية، والذي جعل منه على الدوام هدفًا للأنظمة الشوفينية المتعاقبة في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا الغاصبة لكُردستان.
اليوم، مع انهيار المعادلات القديمة وإعادة رسم خرائط النفوذ، يواجه الكُرد مفترق طرق جديدًا. فهل ستكون هذه التغييرات فرصة تاريخية لتثبيت حقوقهم القومية والسياسية، أم أن التشابكات الدولية والإقليمية ستعيد إنتاج الظلم الذي لطالما تعرضوا له؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب قراءة معمقة للمتغيرات الحاصلة، وفهمًا دقيقًا لموازين القوى الجديدة، ودور الكُرد في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الشرق الأوسط.
الكُرد بين إرث الاضطهاد ومفترق الطرق الجديد
منذ أن رُسمت خرائط الشرق الأوسط الحديثة على أنقاض دولة الاحتلال العثماني، وُجد الكُرد داخل كيانات قومية لا تعترف بوجودهم، فكانوا في مواجهة أنظمة قومية شوفينية (البعث في سوريا والعراق، والكمالية في تركيا، ونظام ولاية الفقيه في إيران). هذه الأنظمة، رغم اختلاف أيديولوجياتها الظاهرة، اتفقت جميعها على قمع أي تطلع كُردي للاستقلال أو الحكم الذاتي، وتاريخياً لجأت إلى أبشع الوسائل لإخضاع هذا الشعب.
اليوم، مع انهيار كثير من الأنظمة التي رسّخت هذا القمع، يقف الكُرد أمام فرصة تاريخية، لكنها محفوفة بالمخاطر. في ظل التحولات الجذرية التي يشهدها الشرق الأوسط، فإن الخيارات أمامهم تبدو متباينة:
1.تعزيز المكاسب السياسية والإدارية: بعد سنوات من النضال، نجح الكُرد في شمال وشرق سوريا بتأسيس نموذج إداري فريد في المنطقة عبر مشروع الإدارة الذاتية، فيما استطاع إقليم كُردستان العراق ترسيخ كيانه شبه المستقل. هذه الإنجازات قد تُشكل نقطة انطلاق نحو تعزيز النفوذ السياسي الكُردي على المستوى الإقليمي.
2.التصعيد العسكري أو التفاوض السياسي؟ في تركيا وإيران، يواجه الكُرد واقعًا أكثر تعقيدًا، حيث لا تزال الأنظمة الحاكمة ترفض الاعتراف بأي حقوق قومية لهم، مما يجعل الخيارات المتاحة تدور بين استمرار المقاومة المسلحة، أو البحث عن سبل دبلوماسية لانتزاع الحقوق.
3.التحديات الدولية والتدخلات الإقليمية: تبقى المصالح الدولية متشابكة في القضية الكُردية، حيث يتم استخدام الكُرد أحيانًا كورقة ضغط، ثم يتم التخلي عنهم وفقًا للتوازنات السياسية. فبينما دعمت القوى الغربية الكُرد في قتال داعش، تخلّت عنهم لاحقًا أمام الهجوم التركي في عفرين وسري كانيه گري سبي.
4.الانقسامات الداخلية: إحدى العقبات الأبرز أمام أي مشروع كُردي هو الانقسامات السياسية بين الأحزاب والفصائل الكُردية نفسها، حيث فشل الكُرد مرارًا في تشكيل جبهة موحدة، وهو ما تستغله الدول الغاصبة لكُردستان لفرض سياساتها عليهم.
إلى أين يتجه النضال الكُردي؟
إن التحولات الجارية في المنطقة تُشكل لحظة مفصلية للكُرد، فإما أن يكونوا جزءًا من المعادلة السياسية الجديدة كلاعب رئيسي، أو أن تتم إعادتهم إلى الهامش كما حدث مرارًا في الماضي. مفتاح المستقبل الكُردي يكمن في بناء توافق داخلي، والاستفادة من المتغيرات الجيوسياسية بحكمة، دون الرهان الأعمى على تحالفات خارجية ثبت مرارًا أنها غير ثابتة.
المعادلة اليوم لم تعد فقط بين الكُرد والأنظمة الحاكمة، بل أصبحت أكثر تعقيدًا، حيث تدخلت قوى جديدة وتحولت مراكز النفوذ. فهل يستطيع الكُرد، هذه المرة، تحويل معاناتهم الطويلة إلى قوة سياسية مستقرة تضمن لهم حق تقرير المصير؟ هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجههم في مفترق الطرق الجديد
سوريا: بين كماشة البعث والمعارضة الإسلامية
في سوريا، لم يكن القمع البعثي للكُرد سوى استمرار لسياسات ممنهجة منذ الستينيات، من الحزام العربي إلى محو الهوية، لكن الثورة السورية التي اندلعت في 2011 لم تحمل للكُرد فرصًا حقيقية بقدر ما وضعتهم أمام اختبار جديد. المعارضة السورية الإسلامية لم تكن أقل شوفينية من البعث، بل ربما كانت أشدّ خطرًا بتحالفها مع تركيا التي تسعى إلى تدمير أي تجربة كُردية مستقلة. هكذا، وجد الكُرد أنفسهم مرة أخرى بين مطرقة الاستبداد وسندان الإسلام السياسي.
تركيا وإيران والعراق: القمع المستمر تحت شعارات مختلفة
في تركيا، يتجلى النموذج الأوضح لإنكار الهوية الكُردية. فالنظام التركي، سواء في عهد أتاتورك، أو عبر الانقلابات العسكرية، أو خلال حكم أردوغان، لم يتردد يومًا في استخدام القوة العسكرية والقوانين القمعية لسحق أي تحرك كُردي. إيران، من جهتها، وإن كانت ترفع شعار “دعم المستضعفين”، إلا أن سياستها تجاه كُردها لا تختلف عن سياساتها في قمع باقي القوميات غير الفارسية. أما العراق، فرغم تجربة إقليم كُردستان، فإن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وأربيل لا تزال متوترة، مع استمرار محاولات بغداد تقليص سلطات الإقليم واستهداف مكتسباته.
تركيا بين الطموحات العثمانية والواقع الجديد
لم يكن انهيار محور المقاومة نهاية الصراع في المنطقة، بل بداية لمرحلة جديدة حاولت فيها قوى أخرى ملء الفراغ. من بين هذه القوى، برزت تركيا، التي استغلت الوضع لتوسيع نفوذها، مدفوعة بطموحات أردوغان العثمانية التوسعية. لم يُخفِ الرئيس التركي رغبته في استعادة النفوذ العثماني، سواء عبر تصريحاته المباشرة أو من خلال مسؤولي نظامه، الذين روّجوا لمشروعه باعتباره البديل عن محور المقاومة المنهار.
لكن ما يجعل مشروع أردوغان أكثر خطورة من مشروع ولاية الفقيه هو أنه يرتكز على شبكة واسعة من جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، التي تمتلك تأثيرًا طائفيًا عابرًا للحدود، مما يمنح تركيا أداة قوية لاختراق المجتمعات الإسلامية، خاصة في سوريا.
سوريا: احتلال تركي بثوب إسلامي
بعد أن خاض محور المقاومة معركته الأخيرة في الدفاع عن نظام الأسد، وجدت تركيا نفسها أمام فرصة لتعزيز وجودها في شمال سوريا. ورغم ترويجها لخطاب داعم للثورة، إلا أن سياساتها الفعلية كشفت عن نواياها الحقيقية، حيث فرضت واقعًا احتلاليًا في المناطق التي سيطرت عليها، من خلال تتريك التعليم، وإحلال الشركات التركية محل المؤسسات المحلية، وممارسة انتهاكات جسيمة وصلت إلى حد القتل والتهجير القسري للسكان الأصليين.
ومع وصول الإسلاميين إلى دمشق، بدأت تركيا تحاول فرض نفسها كقوة رابحة في سوريا، لكن طموحات أردوغان اصطدمت بالمشروع الأكبر للشرق الأوسط الجديد، الذي يقوم على إعادة رسم التحالفات وفق معادلات مختلفة، لاسيما في بروز الكُرد كقوة سياسية وعسكرية ذات تحالفات متينة مع القوى الغربية.
أردوغان في مواجهة معادلات جديدة
مع إدراكه أن مشروعه التوسعي يصطدم بالمصالح الغربية وبروز الكُرد كرقم صعب في المعادلة، بدأ أردوغان بالتراجع تدريجيًا، واتجه نحو محاولات التقارب مع الكُرد لإنهاء الحقبة الشوفينية التي ميّزت سياسات تركيا تجاههم. لكن يبقى السؤال: هل يمكن لتركيا التخلي عن طموحاتها التوسعية بسهولة، أم أن تراجعها تكتيكي بانتظار فرصة جديدة للعودة إلى مشروعها العثماني؟
بين المصالح الدولية والأنظمة القمعية: نقمة الجغرافيا الكُردستانية
إذا كان الموقع الجغرافي ميزة سياسية واستراتيجية للكثير من الشعوب، فإنه في حالة الكُرد تحول إلى لعنة ونقمة. فكون كُردستان تمتد على أربع دول جعلها محط أنظار القوى الإقليمية والدولية، لا لتمكين الكُرد، بل لاستغلالهم كورقة في الصراعات المستمرة. لطالما استخدمت القوى الكبرى الكُرد عند الحاجة، ثم تخلّت عنهم بمجرد تغير المعادلة، من اتفاقية الجزائر 1975 إلى الخذلان المتكرر في العقود الأخيرة.
انتفاضة 2004 والاتفاقية التاريخية: من النضال إلى البناء
رغم هذا التاريخ المثقل بالمظالم، لم يستسلم الكُرد، وكانت انتفاضة 2004 في غرب كُردستان (روچ آڤا) نقطة تحول، حيث خرجت الجماهير في شمال وشرق سوريا رفضًا للقمع البعثي، مما أسس لمرحلة جديدة من الوعي القومي والمطالبة بالحقوق. ومع تعقّد المشهد السوري، أثبت الكُرد قدرتهم على ملء الفراغ الأمني والإداري، ليصلوا إلى العاشر من آذار، اليوم الذي شهد توقيع الاتفاقية التاريخية بين قائد الكُرد الجنرال مظلوم عبدي ورئيس الجمهورية المؤقت في القصر الجمهوري، كخطوة مفصلية نحو الاعتراف بالإدارة الذاتية وتجربتها الفريدة.
الإدارة الذاتية: تجربة رائدة في بحر من الفوضى
في منطقة غارقة بالفوضى، حيث الأنظمة تقتل شعوبها، والمعارضات تحكمها الأجندات الخارجية، أثبتت الإدارة الذاتية أنها نموذج استثنائي. لم يقتصر دورها على حماية الكُرد فقط، بل امتد ليشمل جميع المكونات، من العرب إلى السريان والآشوريين. أمنت المنطقة، حفظت كرامة شعبها، وأوصلته إلى بر الأمان وسط انهيار الدولة المركزية.
المستقبل: إلى أين؟
مع تغير اللاعبين في الشرق الأوسط، واندثار مرحلة محور المقاومة، باتت المنطقة أمام سيناريوهات جديدة، بعضها يحمل الفرص، وأكثرها ينطوي على تحديات للكُرد الذين وجدوا أنفسهم دائمًا بين مطرقة الأنظمة القمعية وسندان المصالح الدولية المتغيرة. فالسؤال المطروح اليوم لم يعد مجرد “ما هو مصير الكُرد؟”، بل “كيف سيصنع الكُرد مصيرهم في هذا الواقع الجديد؟”.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الاعتماد على الوعود الدولية وحدها رهان خاسر، وأن منطق المصالح العابرة لا يمكن أن يكون أساسًا لضمان الحقوق القومية. فكلما اقترب الكُرد من تحقيق مكاسب سياسية أو إدارية، تحركت قوى الهيمنة الإقليمية والدولية لكبحهم، إما بالقوة العسكرية المباشرة، كما تفعل تركيا وإيران، أو عبر الصفقات السياسية التي غالبًا ما تتم على حساب تطلعاتهم. في هذا السياق، يبقى العامل الأهم في معادلة المستقبل هو مدى قدرة الكُرد أنفسهم على بناء مشروع سياسي موحد يتجاوز خلافاتهم الداخلية، ويفرض حضورهم كرقم صعب في أي ترتيبات قادمة.
لكن هل يمتلك الكُرد ترف الانتظار حتى تتغير المعادلات لصالحهم؟ بالطبع لا. فالمنطقة تشهد تحولات متسارعة، والكُرد أمام خيارين: إما أن يكونوا فاعلين في تشكيل المرحلة المقبلة، أو أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى ضحية إعادة إنتاج الظلم الذي عرفوه طويلًا. بين هذين الخيارين، ليس هناك مساحة للحياد، فإما أن يُبنى على ما تحقق في السنوات الماضية، أو أن تتكرر الأخطاء نفسها التي حرمت هذا الشعب من حق تقرير مصيره على مرّ التاريخ.
ومن هذا المنطلق أقول أن القضية الكُردية لم تعد مجرد ورقة بيد الأنظمة الغاصبة لكُردستان، بل باتت معادلة قائمة بذاتها في مستقبل الشرق الأوسط الجديد. والتاريخ، وإن لم يُنصف الكُرد بعد، فإنه يبقى مفتوحًا لمن يملك الإرادة لكتابته بيده، لا لمن ينتظر أن يُكتب له.