آخر الأخبار
اراء وحواراتحركة التجديد الكردستانيسوريا

بعد خمسة عشر عاماً من الحرب… حان وقت معركة الوعي والحوار

بقلم: الدكتور رزگار قاسم

بعد خمسة عشر عاماً من الحرب… حان وقت معركة الوعي والحوار

بقلم: الدكتور رزگار قاسم

بعد أربعة عشر عاماً، بل خمسة عشر عاماً، من الحرب السورية، بكل ما حملته من دماء ودمار وتهجير وانقسامات عميقة، تقف سوريا اليوم أمام مرحلة تاريخية جديدة. مرحلة لا يكفي فيها أن تتوقف أصوات المدافع، بل يجب أن تتوقف أيضاً لغة الإقصاء والكراهية والتخوين.

لقد عشنا طويلاً في مناخ كانت فيه القوة العسكرية هي اللغة الأكثر حضوراً، وكانت الخلافات السياسية تتحول سريعاً إلى صراعات مفتوحة. لكن التجربة السورية أثبتت أن السلاح، مهما كان قوياً، لا يستطيع أن يبني وطناً، ولا يستطيع أن يصنع سلاماً دائماً، ولا أن يحل القضايا الوطنية والقومية العالقة.

اليوم نحن بحاجة إلى لغة أخرى: لغة الحوار.

الحوار ليس ضعفاً، وليس تراجعاً عن الحقوق والمبادئ، بل هو تعبير عن قوة العقل والمسؤولية السياسية. فالحوار الحقيقي لا يعني أن يتنازل طرف عن حقوقه، وإنما يعني أن تبحث الأطراف عن صيغة تحفظ حقوق الجميع، وتمنع تحول الاختلاف السياسي والقومي والمجتمعي إلى صراع جديد.

معركة جديدة أصعب من معركة السلاح

لقد دخلنا اليوم، في رأيي، معركة من نوع آخر؛ إنها معركة بناء الوعي.

الحرب بالسلاح يمكن أن تنتهي بتوقيع اتفاق أو إعلان وقف إطلاق النار، أما الحرب التي تتركها سنوات الصراع داخل العقول والنفوس فهي أكثر تعقيداً. فإعادة بناء المدن قد تحتاج إلى المال والوقت، لكن إعادة بناء الثقة بين أبناء المجتمع تحتاج إلى إرادة ووعي وشجاعة سياسية.

لقد خلّفت سنوات الحرب السورية أجيالاً عاشت الخوف والتهجير والفقدان والانقسام. ولذلك فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط إعادة بناء الحجر، وإنما إعادة بناء الإنسان.

نحتاج إلى إنسان يؤمن بأن الاختلاف ليس خطراً، وأن الاعتراف بالآخر لا يعني التخلي عن الذات، وأن حقوق الآخرين لا تنتقص من حقوقه.

نحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة تقول إن السوريين، بكل قومياتهم ومكوناتهم ومناطقهم، قادرون على بناء مستقبل مشترك إذا انتقلوا من عقلية الصراع إلى عقلية الشراكة.

لا يمكن بناء سوريا بمنطق الغالب والمغلوب

إن سوريا الجديدة لا يمكن أن تقوم على معادلة «غالب ومغلوب»، ولا على منطق الانتقام أو الإقصاء أو فرض إرادة طرف واحد على بقية السوريين.

إن استمرار هذه العقلية يعني ببساطة إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.

المطلوب هو بناء دولة يشعر فيها كل مواطن أن حقوقه مصانة، وأن هويته وكرامته ووجوده السياسي والثقافي محفوظة، وأنه شريك حقيقي في صياغة مستقبل بلاده.

ومن هنا تأتي أهمية الحوار الوطني الحقيقي، الحوار الذي لا يكون مجرد لقاءات شكلية أو بيانات سياسية، وإنما حواراً يبحث بجدية في جذور الأزمة السورية، وفي شكل الدولة، وفي توزيع السلطة، وفي الحقوق السياسية والثقافية والقومية، وفي العلاقة بين المركز والمناطق، وفي ضمانات المشاركة والعدالة.

الحوار لا يلغي الحقوق

هناك من يعتقد أن الحديث عن الحوار يعني التخلي عن الحقوق أو تقديم التنازلات. وهذا فهم خاطئ.

الحوار الحقيقي هو الوسيلة التي يمكن من خلالها حماية الحقوق وتحويلها من مطالب متصارعة إلى اتفاقات وضمانات دستورية وقانونية.

بالنسبة إلى القضية الكردية في سوريا، على سبيل المثال، لا يمكن تجاوزها أو تأجيلها إلى ما لا نهاية. وفي الوقت نفسه، فإن معالجة القضية الكردية يجب أن تكون جزءاً من مشروع وطني سوري جديد يقوم على الاعتراف بالتعددية والحقوق والشراكة.

إن الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية والسياسية للكرد لا يشكل تهديداً لسوريا، بل يمكن أن يكون جزءاً من بناء سوريا مستقرة وديمقراطية ولا مركزية، يشعر فيها الكرد والعرب والسريان والآشوريون والتركمان وجميع المكونات بأنهم شركاء في وطن واحد.

من ثقافة التخوين إلى ثقافة الحوار

من أخطر ما تركته سنوات الصراع انتشار ثقافة التخوين.

كل من يختلف معنا أصبح عدواً، وكل من ينتقدنا أصبح متآمراً، وكل من يبحث عن حل سياسي مختلف أصبح خائناً.

هذه الثقافة يجب أن تنتهي.

لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية أن الحقيقة ملك لطرف واحد. ولا يمكن أن يكون هناك مستقبل سياسي حقيقي إذا ظل كل طرف ينظر إلى نفسه باعتباره صاحب الحق المطلق، وإلى الآخرين باعتبارهم جزءاً من المشكلة.

نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة:

نختلف، ولكن لا نتخوين.
نتنافس، ولكن لا نتقاتل.
نختلف في الرؤية، ولكن نتفق على الوطن.
ندافع عن حقوقنا، ولكن نحترم حقوق الآخرين.

وهذه ليست مجرد شعارات، بل قواعد أساسية لأي حياة سياسية ديمقراطية.

بناء الوعي مسؤولية النخب السياسية والثقافية

تقع مسؤولية كبيرة على عاتق السياسيين والمثقفين والإعلاميين والنخب الاجتماعية.

فالكلمات في هذه المرحلة قد تكون أخطر من الرصاص إذا استُخدمت للتحريض والكراهية، وقد تكون أقوى من السلاح إذا استُخدمت لبناء السلام والوعي.

لذلك يجب أن ننتقل من خطاب تعبئة الجماهير ضد الآخر إلى خطاب توعية الجماهير بحقوقها وواجباتها.

نحتاج إلى إعلام يشرح ولا يحرض، وسياسي يحاور ولا يخوّن، ومثقف يفتح أبواب التفكير ولا يغلقها.

إن بناء الوعي يعني أن نعلّم الأجيال الجديدة أن الوطن لا يُبنى بإلغاء الآخر، وأن الهوية لا تحتاج إلى كراهية هوية أخرى لكي تثبت وجودها.

سوريا أمام فرصة تاريخية

بعد كل هذه السنوات من الحرب، لا يجوز أن تضيع الفرصة التاريخية أمام السوريين.

قد تكون الخلافات كبيرة، وقد تكون الجراح عميقة، وقد تكون الملفات معقدة، لكن البديل عن الحوار ليس إلا استمرار الأزمة بأشكال جديدة.

ولهذا فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى شجاعة سياسية حقيقية؛ شجاعة الجلوس إلى الطاولة، وشجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة الاستماع إلى الآخر، وشجاعة البحث عن حلول وسط، وشجاعة وضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية والشخصية.

إن السلام الحقيقي لا يعني فقط غياب الحرب، وإنما يعني وجود عدالة، وحقوق، ومؤسسات، وضمانات، وشراكة سياسية واجتماعية حقيقية.

معركتنا القادمة هي بناء سوريا الجديدة

بعد خمسة عشر عاماً من الحرب، يجب أن يكون السؤال الأساسي:

أي سوريا نريد أن نبني؟

هل نريد سوريا تعود إلى إنتاج الصراعات نفسها، أم نريد سوريا جديدة تتسع لجميع أبنائها؟

هل نريد دولة تقوم على المركزية والإقصاء، أم دولة حديثة تقوم على اللامركزية والشراكة والعدالة؟

هل نريد أن نورث أبناءنا ذاكرة الحرب والكراهية، أم نورثهم وطناً آمناً يحترم الإنسان وحقوقه؟

إن الخيار أمامنا واضح.

لقد جُرّبت الحرب بما يكفي، وجُرّبت لغة السلاح بما يكفي، وجُرّبت سياسة الإقصاء بما يكفي.

آن الأوان لتجربة لغة العقل.

آن الأوان للحوار.

آن الأوان لبناء الوعي.

آن الأوان لأن نضع أساساً جديداً لسوريا الجديدة.

فالمعركة القادمة ليست معركة بين السوريين، وإنما معركة من أجل الإنسان السوري، ومن أجل دولة تحترم مواطنيها، ومن أجل مستقبل لا تتكرر فيه مآسي الماضي.

السلاح يستطيع أن يفرض الصمت، لكنه لا يستطيع أن يصنع القناعة.
أما الحوار فيستطيع أن يصنع التفاهم، والوعي يستطيع أن يصنع المستقبل.

ومن هنا، فإن بناء الوعي اليوم ليس خياراً ثانوياً، بل هو المعركة الوطنية الأهم والأصعب.

فإذا نجحنا في هذه المعركة، يمكننا أن نبني سوريا جديدة؛ سوريا لا يكون فيها أحد غالباً ولا أحد مغلوباً، بل يكون الجميع شركاء في وطن واحد، وحقوقهم مصانة، وكرامتهم محفوظة، ومستقبلهم مشترك.

إن سوريا التي نريدها لن تُبنى بالسلاح، بل بالحوار؛ ولن تُحمى بالخوف، بل بالوعي؛ ولن تستقر بالإقصاء، بل بالعدالة والشراكة
د.رزگار قاسم
رئيس حركة التجديد الكردستاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى