آخر الأخبار
اراء وحواراتحركة التجديد الكردستاني

من المجتمع إلى القطيع… ومن القطيعية إلى استعادة القرار

من المجتمع إلى القطيع… ومن القطيعية إلى استعادة القرار

روجافا والحاجة إلى إعادة بناء الوعي والمرجعية الكردية

بقلم: د.رزگار قاسم
رئيس حركة التجديد الكُردستاني

أسوأ ما يمكن أن يصيب مجتمعاً بشرياً ليس أن يمر بأزمة سياسية أو أن يخسر جولة من جولات الصراع، وإنما أن يفقد خصوصيته المجتمعية والإنسانية وذاكرته، وقدرته على التفكير المستقل، ثم يتحول أفراده بالتدريج إلى جماعة تتحرك وفق ردود الفعل والشعارات، والولاءات، والخوف.

عندها لا يعود المجتمع هو الذي يصنع السياسة، بل تصبح السياسة هي التي تصنع المجتمع وفق مصالحها

وهنا تبدأ القطيعية

إن هذه المسألة ليست فلسفة مجردة، بل هي من أهم القضايا التي ينبغي التوقف أمامها اليوم في المجتمع الكردي، ولا سيما في روچآڤا (كردستان سوريا )وفي ظل التحولات العميقة التي تشهدها سوريا والمنطقة.

روچآڤاليست مجرد جغرافيا سياسية:
روچآڤا ليست مجرد منطقة جغرافية، وليست مجرد إدارة أو مؤسسات أو قوة عسكرية.

إنها جزء من الوجود التاريخي للشعب الكردي، ومن ذاكرته وثقافته ولغته ومجتمعه.

ولهذا فإن أي مشروع سياسي كردي في هذه المنطقة يجب أن ينطلق أولاً من حقيقة أساسية وهي:

أن المجتمع هو الأصل، والسياسة وسيلة لخدمته.

عندما تنقلب المعادلة، ويصبح المجتمع تابعاً للمؤسسة السياسية، تبدأ الأزمة

فالسلطة أو الحزب أو التنظيم لا يمكن أن يكون بديلاً عن المجتمع، كما أن أي قيادة، مهما كانت مكانتها أو تضحياتها، لا يمكن أن تختزل شعباً بأكمله

المشكلة ليست في تعدد الأحزاب

التعدد السياسي ليس مرضاً

بل هو جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية.

المشكلة تبدأ عندما يتحول التعدد إلى انقسام اجتماعي دائم، وعندما يصبح كل حزب مشروعاً مغلقاً على ذاته، يرى المجتمع من خلاله، ويرى القضية من خلال مصالحه التنظيمية.

عندها يصبح الانتماء الحزبي أقوى من الانتماء الوطني والقومي وهذا ما نلاحظه لدى الأحزاب في روژآڤا للأسف.

ويصبح السؤال:

ماذا يريد حزبي؟

بدلاً من:

ماذا يحتاج شعبنا؟

وهنا تبدأ الكارثة.

لأن القضية الكردية أكبر من أي حزب، وأكبر من أي قيادة، وأكبر من أي مرحلة سياسية.

حين يتحول الحزب إلى هوية:

من أخطر الظواهر أن يتحول الحزب السياسي من مؤسسة لخدمة المجتمع إلى هوية بديلة عن الهوية الوطنية.

فيصبح الفرد قبل كل شيء “ابن الحزب”، ثم يأتي المجتمع والقضية بعد ذلك.

ويصبح النقد للحزب وكأنه نقد للقضية

ويصبح نقد القيادة وكأنه استهداف للشعب.

ويصبح السؤال عن الأخطاء نوعاً من الخيانة

هذه العقلية لا تحمي القضية بل تضعفها.

لأن القضية التي تحتاج إلى الصمت كي تبقى قوية هي قضية ضعيفة من الداخل

أما القضية التي تستطيع أن تتحمل النقد والمراجعة والاختلاف فهي قضية تمتلك مقومات البقاء

القطيعية السياسية أخطر من الانقسام:

الانقسام يمكن معالجته بالحوا

أما القطيعية فتحتاج إلى إعادة بناء الوع

في حالة الانقسام يعرف الناس أنهم مختلفون

أما في الحالة القطيعية، فيعتقد كل طرف أنه يمتلك الحقيقة الكاملة وهنا الكارثة

حيث يتحول الآخر من شريك إلى عدو

وتتحول السياسة من منافسة في خدمة المجتمع إلى صراع على من يملك حق تمثيله

ومن أخطر الأسئلة التي تواجه الحركة الكردية اليوم هي:

من يمثل الكرد؟

لكن السؤال الأصح ربما هو:

كيف يستطيع الكرد أن ينتجوا آلية ديمقراطية وشرعية تمثل مصالحهم جميعاً؟

الفرق بين السؤالين كبير جداً

الأول يبحث عن شخص أو حزب

والثاني يبحث عن مؤسسة ومرجعية وآلية ديمقراطية

لا أحد يستطيع أن يحتكر تمثيل شعب بأكمله

في المجتمعات الحديثة، لا تُبنى الشرعية على الادعاء وإنما على المؤسسات والتوافق والانتخاب والمساءلة

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تجاوز فكرة أن حزباً واحداً يستطيع أن يكون الممثل الوحيد لجميع الكرد

كما تحتاج إلى تجاوز فكرة أن تعدد الأحزاب يعني بالضرورة تعدد المواقف من القضايا القومية الأساسية

يمكن أن تتعدد الأحزاب، لكن يمكن في الوقت نفسه بناء مرجعية قومية ديمقراطية مشتركة تتفق على الثوابت وتترك لكل حزب حقه في برنامجه السياسي

وهنا تظهر الحاجة إلى التفكير الجدي في:

مؤتمر قومي كردستاني جامع، أو مجلس كردي جامع، يمثل مختلف القوى والتيارات والشخصيات والكفاءات وممثلي المجتمع المدني والشباب والمرأة والمثقفين، بعيداً عن الهيمنة الحزبية

لماذا المرجعية الكردية وما المطلوب منها؟

المرجعية المطلوبة ليست سلطة فوق الأحزاب

وليست حزباً جديداً

وليست مؤسسة لإلغاء أحد

بل هي إطاراً وطنياً كردياً ديمقراطياً يستطيع أن يحدد:

1. الثوابت القومية الكردية.
2. المصالح الاستراتيجية للكرد في سوريا.
3. آليات التفاوض مع دمشق.
4. العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية.
5. حماية الحقوق الدستورية والسياسية والثقافية للكرد.
6. ملف المهجرين والنازحين وحق العودة.
7. العلاقات الكردستانية بين الأجزاء الأربعة والشتات.
8. آليات حل الخلافات الداخلية.
9. دور الشباب والمرأة والكفاءات والمجتمع المدني.
10. إنتاج رؤية استراتيجية طويلة المدى، لا مجرد ردود فعل على الأحداث.

بهذا المعنى تصبح المرجعية وسيلة لتنظيم الاختلاف، وليس لإلغائه.

الكرد يحتاجون إلى استراتيجية لا إلى ردود فعل

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاعتماد على التطورات اليومية وحدها لا يكفي.

السياسة التي تنتظر الحدث ثم تتفاعل معه تظل دائماً متأخرة خطوة.

أما السياسة الاستراتيجية فتسأل:

ماذا سيحدث بعد خمس سنوات؟

ما شكل سوريا بعد عشر سنوات؟

ما موقع الكرد في النظام السوري الجديد؟

ما الضمانات الدستورية؟

كيف نحمي المجتمع من التغيير الديموغرافي؟

كيف نحافظ على اللغة والثقافة؟

كيف نبني اقتصاداً منتجاً؟

كيف نعيد المهجرين؟

كيف نمنع تكرار المآسي؟

وكيف نحول الوجود الكردي من قضية أمنية مؤقتة إلى حقيقة سياسية ودستورية ثابتة؟

هذه الأسئلة لا يستطيع حزب واحد الإجابة عنها بمفرده.

العلاقة مع سوريا الجديدة

إن الدفاع عن الحقوق الكردية لا يتناقض مع بناء سوريا موحدة.

على العكس، يمكن أن يكون الاعتراف بالخصوصية الكردية أحد أسس بناء سوريا جديدة مستقرة.

المطلوب ليس سوريا تقوم على إلغاء مكوناتها، ولا سوريا تتحول إلى مجموعة كيانات متصارعة.

المطلوب دولة سورية حديثة، ديمقراطية، لا مركزية، تضمن المساواة في المواطنة، وتحترم الخصوصيات القومية والثقافية لمكوناتها.

وهنا ينبغي أن يكون الموقف الكردي واضحاً:

نحن نريد أن نكون شركاء في بناء سوريا، لا تابعين فيها؛ ونريد الحفاظ على خصوصيتنا، لا الانفصال عن الآخرين؛ ونريد دولة عادلة لجميع السوريين، لا دولة يهيمن عليها مكون على حساب مكون آخر.

هذه المعادلة هي التي يمكن أن تجعل القضية الكردية جزءاً من الحل السوري، لا ذريعة لاستمرار الأزمة.

الوحدة الكردية تبدأ من احترام الاختلاف

لا يمكن بناء وحدة كردية حقيقية عبر التخوين.

ولا يمكن بناء الوحدة عبر إجبار الناس على الانضمام إلى موقف واحد.

الوحدة تبدأ عندما نقبل أن لدينا مدارس سياسية مختلفة، وتيارات فكرية مختلفة، وتجارب مختلفة، ولكن لدينا في الوقت نفسه قضية ومصالح وثوابت مشتركة.

فالاختلاف في الوسائل لا ينبغي أن يتحول إلى اختلاف في الانتماء.

والتنافس السياسي يجب أن يكون تنافساً في الكفاءة والبرامج، لا تنافساً في إقصاء الآخر.

المطلوب إعادة الاعتبار للمجتمع

ربما يكون أهم تحول مطلوب اليوم هو إعادة المجتمع إلى مركز العملية السياسية.

يجب أن لا تكون السياسة حكراً على الأحزاب.

يجب أن يكون للمثقفين، والأكاديميين، ورجال الأعمال، والمهنيين، والشباب، والنساء، والفنانين، والإعلاميين، وممثلي المدن والبلدات والقرى، والمجتمع المدني، دور حقيقي في تحديد مستقبل المجتمع.

فالكرد ليسوا أحزاباً فقط.

الكرد مجتمع كامل.

وإذا كان المجتمع غائباً عن صناعة القرار، فإن أي تمثيل سياسي سيبقى ناقصاً مهما كانت قوته.

من تقديس القيادة إلى احترام المؤسسة

لا يمكن بناء مستقبل جديد بعقلية سياسية تجعل الأشخاص فوق المؤسسات.

القائد الناجح هو الذي يقوي المؤسسة بحيث تستمر من بعده.

أما القائد الذي يجعل المؤسسة مرتبطة بشخصه، فإنه يضعفها حتى لو كان ناجحاً في مرحلة معينة.

المطلوب هو الانتقال من:

زعامة الشخص → إلى قوة المؤسسة.

ومن:

الولاء للفرد → إلى الولاء للمشروع.

ومن:

التصفيق → إلى النقد المسؤول.

ومن:

القرار المغلق → إلى المشاركة.

وهذا هو جوهر الانتقال من القطيعية إلى السياسة الحديثة.

الجيل الجديد لا يريد تكرار الماضي

الجيل الكردي الجديد يعيش في عالم مختلف.

هذا الجيل يريد أن يعرف تاريخه، لكنه يريد أيضاً أن يعيش حاضره ويصنع مستقبله.

لا يمكن مخاطبته فقط بلغة الماضي والتضحيات.

يجب أن نقدم له مشروعاً للحياة:

تعليم جيد، جامعة، ثقافة، اقتصاد، فرص عمل، حرية، فن، إعلام، تكنولوجيا، مشاركة سياسية، وكرامة.

القضية القومية التي لا تتحول إلى مشروع حياة للأجيال الجديدة ستفقد قدرتها على الاستمرار.

من روجافا إلى كردستان

القضية الكردية في روجافا لا تعيش بمعزل عن بقية أجزاء كردستان والشتات.

لكن العلاقة المطلوبة يجب أن تكون علاقة تكامل وتنسيق وتضامن، لا علاقة وصاية.

فلكل جزء ظروفه السياسية والقانونية والاجتماعية، لكن هناك قضايا مشتركة تستطيع أن تجمع الكرد:

اللغة والثقافة والذاكرة والتاريخ والحقوق القومية والتواصل الشعبي والتنسيق السياسي والاستراتيجي.

ومن هنا يمكن التفكير مستقبلاً في إطار كردستاني أوسع، لا يلغي خصوصية كل جزء، وإنما ينسق بينها.

الخلاصة: حان وقت الانتقال من رد الفعل إلى صناعة المستقبل

المرحلة الجديدة لا تحتاج إلى مزيد من القطيعية.

ولا تحتاج إلى المزيد من التخوين.

ولا تحتاج إلى المزيد من الصراع بين الأحزاب على من يمثل الشعب.

إنها تحتاج إلى إعادة بناء العقل السياسي الكردي.

نحتاج إلى مجتمع يعرف خصوصيته دون أن يعادي الآخر.

ونحتاج إلى حركة سياسية تعرف أن الحزب وسيلة وليس غاية.

ونحتاج إلى قيادة تحترم المؤسسة.

ونحتاج إلى مؤسسات تحترم المجتمع.

ونحتاج إلى وحدة تقوم على الثوابت، لا على إلغاء الاختلاف.

ونحتاج إلى مرجعية كردية ديمقراطية تستطيع أن تجمع ما تفرق، وتنظم الاختلاف، وتضع استراتيجية مشتركة.

ولهذا فإن الدعوة إلى مؤتمر قومي كردستاني جامع، أو مجلس قومي كردستاني يضم مختلف أجزاء كردستان والشتات، ليست ترفاً سياسياً، بل يمكن أن تصبح إحدى الضرورات التاريخية لمواجهة مرحلة إقليمية ودولية جديدة تتشكل فيها خرائط النفوذ وموازين القوى.

لقد آن الأوان لكي ينتقل الكرد من سؤال:

“من يمثلني؟”

إلى سؤال أكثر نضجاً:

“كيف نبني مؤسسة تمثلنا جميعاً؟”

ومن:

“أي حزب أقوى؟”

إلى:

“أي مشروع يخدم شعبنا؟”

ومن:

“كيف ننتصر على بعضنا؟”

إلى:

“كيف ننتصر لقضيتنا؟”

فالمجتمع الذي يحافظ على خصوصيته لا يخاف من الآخر.

والمجتمع الذي يمتلك وعياً لا يتحول إلى قطيع.

والشعب الذي يريد أن يصنع مستقبله لا ينتظر دائماً أن يصنعه الآخرون نيابة عنه.

إن استعادة القرار تبدأ من استعادة الوعي، واستعادة الوعي تبدأ عندما نخرج من القطيعية، ونعود إلى المجتمع، وإلى الإنسان، وإلى القضية.

وهذه، في تقديري، هي الخطوة الأولى نحو بناء مرجعية كردية جديدة قادرة على التعامل مع المرحلة القادمة بعقل استراتيجي، وبروح وحدوية، وبقرار مستقل، وبمسؤولية تاريخية تجاه الأجيال القادمة
د.رزگار قاسم
رئيس حركة التجديد الكردستاني -سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى