
الإسلام السياسي وإشكالية الدولة الحديثة في الشرق الأوسط
بقلم: الدكتورة ميديا شيخة
مسؤولة مجلس حركة التجديد الكردستاني في ألمانيا.
يُعدّ الإسلام السياسي (Political Islam) من أكثر المفاهيم إثارةً للنقاش في أدبيات العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط، نظرًا لتعدد تعريفاته وتباين المقاربات النظرية التي تناولته. فقد أصبح هذا المفهوم محورًا لجدل واسع بين الباحثين بسبب اختلافهم حول طبيعته: هل هو امتداد لاستخدام الدين في المجال السياسي، أم أنه ظاهرة سياسية حديثة نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية محددة؟
لذلك فإن دراسة الإسلام السياسي تتطلب التمييز بين الإسلام باعتباره منظومة إيمانية وروحية، وبين توظيف المرجعية الدينية داخل المجال السياسي. فالدين كان ولا يزال عنصرًا مؤثرًا في تشكيل المجتمعات، إلا أن الإسلام السياسي يشير إلى تحويل المرجعية الدينية إلى مشروع سياسي يهدف إلى تنظيم الدولة والمجتمع والسلطة.
ويرى بعض الباحثين، مثل أوليفييه روا، أن الإسلام السياسي يمثل أيديولوجيا حديثة نشأت في سياق أزمات الدولة الوطنية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها المجتمعات الإسلامية. فالإسلام السياسي، وفق هذا المنظور، ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل هو تعبير حديث عن أزمة الدولة والهوية والسلطة.
أما جيل كيبل، فيركز على التطور التاريخي للحركات الإسلامية منذ سبعينيات القرن العشرين، وعلى انتقال بعض التيارات من العمل الاجتماعي والسياسي إلى مشاريع أكثر راديكالية، وصولًا إلى ظهور الحركات الجهادية العابرة للحدود (Roy, 1992; Kepel, 2000).
وبهذا المعنى، لا يشير الإسلام السياسي إلى تيار واحد متجانس، بل إلى مجموعة متنوعة من الحركات والاتجاهات التي تختلف في رؤيتها للدولة، وطبيعة النظام السياسي، وعلاقتها بالمجتمع والمؤسسات الحديثة.
لا يتناول هذا الفصل الإسلام باعتباره عقيدة دينية أو منظومة روحية، وإنما يدرس الإسلام السياسي باعتباره مشروعًا سياسيًا يخضع للتحليل والنقد وفق أدوات العلوم السياسية، شأنه شأن القومية، أو الليبرالية أو الاشتراكية أو غيرها من المشاريع الفكرية.
ويستند تقييم أي مشروع سياسي إلى معايير الدولة الحديثة، وفي مقدمتها المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتعددية السياسية، واحترام حقوق الإنسان، والقدرة على إدارة التنوع القومي والديني والثقافي.
ولا تكمن الإشكالية الأساسية في حضور الدين داخل المجال العام، إذ إن الدين كان دائمًا جزءًا من التاريخ الاجتماعي والسياسي للمجتمعات، وإنما تتمثل في طبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية ومبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة.
فالسؤال الأساسي ليس: هل يمكن للدين أن يكون حاضرًا في المجال العام، وإنما: هل يستطيع أي مشروع سياسي، دينيًا كان أم علمانيًا، أن يضمن المساواة بين المواطنين، ويحمي حقوق الأقليات، ويمنع احتكار السلطة من قبل جماعة واحدة.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم أي مشروع سياسي لا يرتبط فقط بمرجعيته الفكرية، بل بمدى قدرته على بناء مؤسسات عادلة، وضمان المشاركة السياسية، وحماية الحريات الفردية والجماعية.
شهد الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة صعودًا ملحوظًا لما يُعرف بالإسلام السياسي، بوصفه مشروعًا سعى إلى إعادة صياغة الدولة والمجتمع انطلاقًا من مرجعية دينية.
وقد استفادت هذه التيارات من أزمات الدولة الوطنية، وضعف المؤسسات السياسية، وفقدان الثقة بالأنظمة القائمة. كما لعبت عوامل مثل الاستبداد السياسي، والفقر، والتدخلات الخارجية، والصراعات الإقليمية دورًا في توفير بيئات ساعدت على انتشار بعض الحركات الإسلامية.
غير أن التجارب السياسية في المنطقة، وخاصة بعد الربيع العربي، طرحت أسئلة جوهرية حول قدرة هذه المشاريع على بناء دولة ديمقراطية متعددة تحترم التنوع القومي والديني والثقافي.
فالمعيار الأساسي لأي مشروع سياسي لا يكمن في الشعارات التي يرفعها، وإنما في قدرته على إدارة مجتمع متنوع، وضمان الحقوق، وتحقيق العدالة، واحترام الحريات.
بالنسبة للشعب الكردي، ظلت العلاقة مع حركات الإسلام السياسي معقدة ومتغيرة. فقد طُرحت في مراحل مختلفة شعارات مثل “الوحدة الإسلامية” و”الأخوة الدينية” باعتبارها إطارًا يتجاوز الهويات القومية.
غير أن هذه الخطابات لم تؤدِّ دائمًا إلى الاعتراف الكامل بالحقوق القومية والثقافية للكرد. ففي بعض الحالات، اعتُبرت المطالب المتعلقة باللغة والهوية والثقافة الكردية مسائل ثانوية أمام مفهوم “وحدة الأمة الإسلامية”، مما أدى إلى توترات سياسية وفكرية.
ومع ذلك، فإن الإسلام السياسي الكردي لا يمثل تيارًا واحدًا متجانسًا، بل عرف تطورات مختلفة حسب السياقات المحلية. ففي كردستان العراق، ظهرت منذ ثمانينيات القرن العشرين حركات وأحزاب إسلامية كردية سعت إلى الجمع بين المرجعية الدينية والمشاركة السياسية.
وقد أظهرت تجربة الإسلام السياسي في كردستان العراق أن العلاقة بين الإسلام والقومية الكردية كانت مركبة؛ فقد تراوحت بين المنافسة والتكيف والتفاعل مع المشروع القومي الكردي. كما كشفت هذه التجربة عن التوتر بين مشروع سياسي يستند إلى المرجعية الدينية ومشروع آخر يقوم على القومية والمؤسسات المدنية الحديثة.
يشكل الإسلام السياسي الراديكالي تهديدًا خاصًا للمجتمعات الكردية، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضًا من حيث تهديده للتعددية الدينية والثقافية والمكتسبات الاجتماعية.
وقد أظهرت هجمات تنظيم داعش ضد الكرد الإيزيديين في سنجار عام 2014 النتائج الكارثية للتطرف الديني، حيث تعرضت هذه الجماعة لعمليات قتل جماعي، وتهجير قسري، واستعباد آلاف النساء، إضافة إلى تدمير مواقع دينية وثقافية تعود إلى قرون طويلة.
ولم تكن هذه الجرائم مجرد أعمال عسكرية، بل كانت جزءًا من مشروع أيديولوجي يقوم على رفض التنوع الديني والقومي، وفرض نموذج أحادي يقوم على الإقصاء والعنف.
كما كشفت الهجمات التي تعرضت لها منطقة روج آفا في سوريا عن التناقض بين مشروع التنظيمات الجهادية القائمة على الإقصاء، وبين نموذج سياسي حاولت القوى الكردية تطويره على أساس التعددية، والتعايش بين المكونات، ومشاركة المرأة في الحياة العامة، والإدارة اللامركزية.
ومن هنا، فإن مواجهة الإسلام السياسي الراديكالي بالنسبة للكرد لا ترتبط فقط بالجانب الأمني، بل ترتبط أيضًا بالدفاع عن نموذج اجتماعي يقوم على التنوع، والمساواة، وحقوق الإنسان.
أظهرت التجارب السياسية في الشرق الأوسط أن العلاقة بين الهوية الدينية والهوية القومية لم تكن دائمًا علاقة تكامل، بل شهدت توترات مرتبطة بتحديد مفهوم الأمة وحدود الانتماء السياسي.
فحين يتم اختزال المجتمع في هوية واحدة، سواء كانت دينية أو قومية، فإن ذلك يؤدي غالبًا إلى تهميش المكونات الأخرى وإضعاف أسس الدولة التعددية.
وقد أثبت التاريخ أن إنكار الهويات القومية والثقافية لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى تعميق الأزمات. فالمجتمعات المستقرة لا تُبنى على الإقصاء أو الذوبان القسري، وإنما على الاعتراف بالتعدد وإدارته ضمن عقد اجتماعي ديمقراطي.
في السياق السوري، كشفت سنوات الحرب أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو الهيمنة الأيديولوجية، سواء كانت قومية أو دينية.
فقد أدت الحرب إلى تغيّرات عميقة في البنية الاجتماعية والسياسية، وأثرت على مختلف مكونات المجتمع السوري. كما تعرضت مناطق كردية مثل عفرين وسري كانيه وغيرها إلى عمليات نزوح وتغيرات ديموغرافية وانتهاكات متعددة.
وفي الوقت نفسه، تواجه المجتمعات السورية عمومًا أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، تتمثل في الفقر، وتراجع الخدمات، وانهيار القدرة الشرائية، وتراجع الأمن الغذائي.
وتؤكد هذه الظروف أن أي مشروع سياسي لا يضع الإنسان وحقوقه في مركز اهتمامه سيبقى عاجزًا عن تقديم حلول مستدامة.
وفي هذا السياق، برزت اللامركزية السياسية والإدارية كأحد الخيارات الممكنة لإدارة التنوع القومي والثقافي في المنطقة، لأنها تسمح بمشاركة أكبر للمجتمعات المحلية في إدارة شؤونها ضمن إطار قانوني يضمن الحقوق والحريات.
خاتمة
إن القضية الكردية لا تمثل قضية قومية منفصلة فقط، بل هي جزء من سؤال أوسع يتعلق بطبيعة الدولة في الشرق الأوسط وقدرتها على إدارة التنوع.
كما أن تجربة الإسلام السياسي في المنطقة، بمختلف أشكالها، تطرح سؤالًا أساسيًا حول قدرة المشاريع الأيديولوجية على بناء دول حديثة قائمة على المواطنة المتساوية.
فالمستقبل لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء، سواء كان دينيًا أو قوميًا أو أيديولوجيًا، وإنما على الاعتراف المتبادل، والعدالة، وسيادة القانون، واحترام الإنسان باعتباره القيمة المركزية في أي مشروع سياسي.
ويبقى التحدي الأساسي أمام شعوب المنطقة هو بناء عقد اجتماعي جديد يوازن بين الهوية والحرية، وبين التنوع والوحدة، وبين الخصوصيات الثقافية ومبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة.
المراجع
- Roy, Olivier. (1992). L’Échec de l’islam politique. Paris: Éditions du Seuil.
- Kepel, Gilles. (2000). Jihad: Expansion et déclin de l’islamisme. Paris: Gallimard.




