
العدالة المؤجلة: القضية الكردية ومدخل بناء الدولة السورية الحديثة
بقلم: محمد أحمد كشمه
ليست القضية الكردية في سوريا ملفًا طارئًا، بل جرحٌ تاريخيٌّ طال أمده، تشكّل عبر عقودٍ من التهميش وتقييد الهوية واللغة والمشاركة العامة. إن الحديث عن مستقبلٍ سوريٍّ مستقر لا يمكن أن يكتمل دون مقاربةٍ صادقةٍ لهذه القضية، تقوم على الاعتراف بالحقوق والالتزام العملي بتحقيقها.
الأكراد جزءٌ أصيل من نسيج هذا الوطن، حضورهم ليس هامشًا في الجغرافيا ولا في التاريخ، بل مكوّنٌ أساسي في بناء المجتمع السوري. ومن هذا المنطلق، فإن حقوقهم ليست مِنّةً تُمنح، بل استحقاقٌ يُصان: حقّ العيش الكريم، وحقّ المشاركة الكاملة في مؤسسات الدولة، وحقّ الوصول إلى المناصب على أساس الكفاءة، لا على أساس الانتماء.
لقد أثبتت التجارب أن الإقصاء لا يصنع استقرارًا، وأن تقييد اللغة والثقافة لا يبني دولة. على العكس، فإن الاعتراف بالتعددية اللغوية والثقافية يعزّز الوحدة الوطنية ويمنحها عمقًا إنسانيًا وقانونيًا. إن صون اللغة الكردية، وتمكينها في التعليم والثقافة والإعلام، هو جزءٌ من صون كرامة مواطنيها، ومن بناء ثقةٍ طال انتظارها.
الاندماج الحقيقي لا يعني الذوبان، بل المشاركة المتكافئة. دولة القانون التي ننشدها هي تلك التي تفتح أبوابها أمام جميع أبنائها دون تمييز، وتُخضع الجميع لميزانٍ واحد من الحقوق والواجبات. فيها يكون الطريق إلى الخدمة العامة والمناصب العليا مفتوحًا بالكفاءة والنزاهة، لا مُغلقًا بسقوفٍ غير مرئية.
كما أن أي مشروعٍ وطنيٍّ جاد لا بد أن يتضمن إصلاحاتٍ مؤسسية واضحة: قوانين تحظر التمييز صراحةً، آليات رقابةٍ مستقلة، تمثيلًا عادلًا في الإدارات المحلية والمركزية، وسياساتٍ تعليمية وثقافية تُنهي إرث التهميش. هذه ليست مطالب فئوية، بل شروطُ دولةٍ حديثةٍ تحترم مواطنيها.
إن الإنصاف لا يتعارض مع الوحدة، بل يؤسس لها. وسوريا التي نحلم بها ليست دولةَ غالبٍ ومغلوب، بل دولة مواطنةٍ متساوية، تُعرَّف بالقانون والعدالة، وتحتضن تنوعها بوصفه مصدر قوة لا سبب انقسام.
الرسالة واضحة: لا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا مساواة. وحقوق الأكراد—كغيرهم من أبناء هذا الوطن—يجب أن تُصان اليوم قبل الغد، قولًا وفعلًا. فبهذا وحده تُبنى الثقة، ويُفتح باب المستقبل لسوريا التي تستحقها جميع مكوّناتها.




