آخر الأخبار
اخباراراء وحواراتدوليةكردستان

إيران على صفيح الغضب

الاحتجاجات تتوسع وكُردستان روجھلات أمام اختبار اللحظة التاريخية

إيران على صفيح الغضب

الاحتجاجات تتوسع وكُردستان روجھلات أمام اختبار اللحظة التاريخية

إعداد وتحرير: هڤال ديركي

مشهد عام: احتجاجات تتجاوز الاقتصاد

منذ أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، تعيش إيران على وقع موجة احتجاجات واسعة تُعد من الأكبر منذ انتفاضة مهسا أميني عام 2022. ما بدأ كغضب شعبي على غلاء المعيشة وانهيار العملة وارتفاع الأسعار، سرعان ما تحوّل إلى حراك اجتماعي–سياسي متعدد الطبقات، حيث اندلعت احتجاجات شعبية واسعة في أكثر من مدينة ومحافظة بسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية وتدهور قيمة العملة المحلية (الريال) مع ارتفاع حاد في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وقد انطلقت الاحتجاجات من بازار طهران التجاري ثم امتدت إلى مدن كبرى مثل أصفهان، شيراز، همدان، لردغان، كرمانشاه وغيرها، بينما يتظاهر آلاف الإيرانيين من تجار، طلاب، مهنيين، وسكان المناطق الريفية، مطالبين بتحسين الأوضاع المعيشية ومحاربة فساد وعجز النظام في إدارة الاقتصاد ومواجهة التضخم الذي تجاوز مستويات قياسية.

التظاهرات اتسمت بخروج شعارات تتجاوز المطالب الاقتصادية لتطال الانتقاد السياسي للنظام القائم بصورة مباشرة، وظهرت دعوات لإصلاحات سياسية، بينما ردّت السلطات باستخدام الغاز المسيل للدموع والاعتقالات وحتى إطلاق النار في بعض المواقع، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف المتظاهرين وقوات الأمن على حدّ سواء.

مع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثاني، تصاعدت التوترات المحلية والدولية، وسط تحذيرات من أن الأوضاع الاجتماعية في إيران باتت على حافة الانفجار بسبب استمرار تفاقم الغلاء وسوء إدارة الأزمة، في مشهد يعكس هشاشة سياسية عميقة داخل الجمهورية التي تواجه أسوأ أزمة اقتصادية منذ سنوات.

📍

من الشارع إلى المواجهة: «النقاط الثورية الساخنة» في الاحتجاجات

شهدت العاصمة طهران تظاهرات متكررة واشتباكات متفرقة، فيما امتدت الاحتجاجات إلى مدن مثل أصفهان، شيراز، همدان، ولردغان. في بعض هذه المناطق، سُجّلت مواجهات عنيفة، واعتقالات واسعة، وسقوط قتلى وجرحى، ما سرّع من تسييس الحراك ورفع منسوب التوتر بين الشارع والدولة.

اللافت في هذه الجولة هو اتساع القاعدة الاجتماعية للمحتجين، ما جعل من الصعب على السلطات حصرها في إطار “احتجاجات مطلبية” أو ربطها فقط بعوامل خارجية، كما جرت العادة في الخطاب الرسمي

📌

1. العاصمة طهران والبازار التجاري

شهد بازار طهران الكبير إغلاقًا شاملاً من قبل التجار احتجاجًا على انهيار العملة وارتفاع الأسعار، كما خرجت احتجاجات في شوارع العاصمة بمشاركة قطاعات واسعة من سكان المدينة، وهتفت جماهير المحتجين شعارات ضد الفساد والقيادة السياسية للنظام.

📌

2. لردغان وإقليم لورستان

في مدينة لردغان جنوب غرب إيران، تصاعدت المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن، مما أدى إلى سقوط عدد من القتلى وإصابات بين الجانبين بعد أن حاصر المتظاهرون مباني حكومية ورشقوها بالحجارة احتجاجًا على السياسات الحكومية.

📌

3. اعتقالات على خلفية التظاهر

في عدة مدن مثل إصفهان، ديلوران، كرمشهان، وشيراز، نفّذت قوات الأمن حملات اعتقال واسعة بحق متظاهرين من خلفيات إثنية مختلفة، بينهم أكراد ولور، بالإضافة إلى طلاب ونشطاء اجتماعيين.

📌

4. الشعارات والتحول السياسي

لم تقتصر الاحتجاجات على المطالب الاقتصادية فقط، إذ ظهرت شعارات سياسية قوية تطالب بـ «إسقاط الفساد» و«المساءلة» أو حتى شعار «الموت لخامنئي» في بعض المناطق، في مؤشر واضح على أن الاحتجاجات تجاوزت حدود الغضب الاقتصادي لتطال الشرعية السياسية للنظام.

📌

خريطة انتشار الاحتجاجات في عموم إيران

  • شمال البلاد: طهران، قزوين
  • الوسط: أصفهان، شيراز، همدان
  • الغرب: كرمانشاه، لردغان
  • الجنوب: الأهواز
  • الريف و المحافظات المتوسطة: ديهلوران، ياسوج

     وقد شملت الاحتجاجات مختلف قوى المجتمع الإيراني من تجار إلى طلاب وأساتذة جامعات وشرائح اجتماعية متعددة، ما يعكس اتساع القاعدة الشعبية للحراك.

السياق الميداني والسياسي العام

الاحتجاجات لا يمكن فصلها عن التدهور الاقتصادي الهيكلي في إيران على مدى سنوات نتيجة العقوبات الدولية، سوء إدارة السياسات المالية، ارتفاع التضخم، وتراجع إنتاج النفط والصناعات الأساسية. هذا التدهور دفع بشريحة واسعة من الإيرانيين للخروج إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم الأساسية في مستوى معيشي لائق وفرص عمل.

السلطات الإيرانية حاولت احتواء الغضب عبر وعود على المستوى السياسي مثل تغيير قيادات اقتصادية وتشجيع «الحوار» مع المحتجين، لكن هذه المبادرات لم تُنهِ موجة الغضب، بل زادت من الشعور بعدم الثقة تجاه قدرة النظام على إدارة الأزمة.

🟧

كُردستان روجھلات: غضب مضاعف وحساسية خاصة

في كردستان إيران (روجھلات)، اكتسبت الاحتجاجات بعدًا أكثر تعقيدًا. فإلى جانب الأزمة الاقتصادية العامة، يواجه المجتمع الكردي إرثًا طويلًا من القمع السياسي والتهميش القومي. مدن مثل سنندج، مهاباد، بوكان، وكرمانشاه، شهدت تحركات شعبية ترافقت مع انتشار أمني كثيف واعتقالات طالت ناشطين ومحتجين.

تعامل الدولة مع روجھلات كـ ملف أمني لا سياسي، لم يؤدِّ إلى تهدئة الأوضاع، بل عمّق الفجوة بين المجتمع الكردي والمؤسسات الرسمية، وفتح الباب أمام إعادة تموضع الأحزاب الكردية في ضوء التطورات المتسارعة.

مواقف الأحزاب الكردية: تقاطعات واختلافات

🔶

1) حزب حرية كُردستان – PAK

يقدّم حزب حرية كُردستان موقفًا سياسيًا واضحًا في خضم الاحتجاجات، إذ أصدر في 1 يناير 2026 بيانًا يدعو إلى انعقاد اجتماع عاجل وفوري لكافة القوى السياسية الكردية في روجھلات، معتبرًا أن الأطر السياسية التقليدية غير قادرة على مجاراة سرعة الأحداث في إيران، وأن اللحظة الراهنة تتطلب تنسيقًا سياسيًا جماعيًا موحدًا لخوض المرحلة الحالية.

البيان شدد على أن هذا الاجتماع ليس بديلاً دائمًا عن المؤسسات القائمة، بل مبادرة إستثنائية تركز على بلورة موقف سياسي كردي موحد يتناسب مع تطلعات الشارع في كردستان وإيران عمومًا.

📌 المعنى السياسي لهذا الموقف هو التأكيد على ضرورة تنسيق الجهود الكردية واستثمار الزخم الثوري الراهن لصياغة موقف سياسي موحّد يضمن حقوق القومية والحرية في أي عملية إصلاح أو تغيير قادم، بدل الانجرار إلى صراع داخلي تشتت القوى داخله.

🔷

2) الحزب الديمقراطي الكُردستاني الإيراني – PDKI

الحزب الديمقراطي الكُردستاني الإيراني يتبنّى موقفًا داعمًا للحراك الشعبي، مع تركيز خاص على:

  • دعم حق التظاهر السلمي في كافة المدن الكردية داخل إيران.
  • رفض استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين واعتبار قمع الحركات الاحتجاجية انتهاكًا للحقوق الأساسية.
  • الدعوة إلى نظام ديمقراطي تعددي يضمن الحقوق القومية والسياسية للكرد في إيران ضمن هيكل دستوري جديد.

📌 على الرغم من محدودية قدرته التنظيمية الميدانية بسبب القمع الأمني، إلا أن PDKI يعتبر الاحتجاجات فرصة لتأكيد المطالب القومية والحقوق السياسية في أفق التحوّل الديمقراطي الأوسع في البلاد.

🔶

3) كومله

حركة كومله ترى أن الاحتجاجات الحالية تمثل احتجاجًا شعبيًا متعدد الشرائح ضد سياسات التقشف والفساد، ولهذا:

  • تربط بين الأزمة الاقتصادية وغياب العدالة الاجتماعية في البلاد.
  • تدعو إلى تنسيق فعال بين الإضرابات المهنية (عمال، معلمون، طلاب) وبين الاحتجاجات الشعبية.
  • تؤكد على أهمية الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية لترسيخ فكرة التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية كشرط لتجاوز الأزمة.

📌 خطاب كومله يشدّد أن التغيير لا يمكن أن يكون مجرد مطالب اقتصادية قصيرة المدى، بل يجب أن يرتبط بإصلاحات اجتماعية وسياسية واسعة لضمان مستقبل مستقر وعادل لشعوب إيران بما فيها الكرد.

🔷

4) حزب الحياة الحرة في كُردستان – PJAK

PJAK تربط الاحتجاجات الراهنة بتراث حركة «زن، ژیان، ئازادی» «Jin, Jiyan, Azadi» (المرأة، الحياة، الحرية) السابقة، وتؤكد أن:

  • النساء والشباب يجب أن يقودوا المرحلة المقبلة للتغيير الاجتماعي والسياسي.
  • النظام الإيراني يواجه حالة من الانهيار الشرعي نتيجة القمع المتواصل، ويتطلب ذلك تنظيمًا شعبيًا غير مركزي بديلًا عن الأطر السلطوية.
  • دعوة إلى إدارة ديمقراطية مجتمعية تحترم حقوق الأقليات وتفتح آفاقًا جديدة للحرية.

📌 PJAK تعتبر اللحظة الحالية فرصة مهمة لطرح نموذج بديل بعيد عن المركزية السلطوية، مع التركيز على القوى الشبابية والنسائية في صدّ القمع وبناء مجتمع جديد.

تحليل مستقبل محتمل للمشهد السياسي في إيران وكُردستان روجھلات

بين الانفجار المؤجَّل وإعادة تشكيل التوازنات

أولًا: المشهد الإيراني العام – إلى أين تتجه الاحتجاجات؟

1️⃣ الاحتمال الأول:

احتواء أمني–اقتصادي مؤقت

وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير، ويقوم على:

  • تصعيد أمني محسوب (اعتقالات، تفريق تظاهرات، تضييق إعلامي).
  • تقديم تنازلات اقتصادية جزئية: دعم مالي، وعود بإصلاحات، تغيير بعض الوجوه الإدارية.
  • محاولة تفكيك الحراك عبر فصل المطالب الاقتصادية عن السياسية.

📌 نقطة الضعف في هذا السيناريو:

الاحتجاجات الحالية لا تشبه سابقاتها؛ فهي متعددة الطبقات والمناطق، وتشمل البازار، الطلبة، العمال، والأقليات القومية، ما يجعل الاحتواء مؤقتًا لا جذريًا.

🔻 النتيجة المتوقعة:

هدوء نسبي، لكن مع بقاء الاحتقان الاجتماعي كقنبلة مؤجلة.

2️⃣ الاحتمال الثاني:

تحوّل الاحتجاجات إلى أزمة سياسية مفتوحة

يتحقق هذا السيناريو إذا:

  • استمرت الاحتجاجات واتسعت جغرافيًا.
  • انخرطت قطاعات جديدة (عمال النفط، المعلمون، موظفو الدولة).
  • فشلت السلطة في تقديم حلول مقنعة.

📌 هنا تنتقل إيران من:

أزمة معيشية ➜ أزمة شرعية سياسية

🔻 ملامح هذا المسار:

  • تصاعد الشعارات السياسية المباشرة.
  • تآكل هيبة الأجهزة الأمنية في بعض المناطق.
  • بروز أشكال تنظيم محلية غير مركزية.

⚠️ هذا السيناريو لا يعني سقوطًا فوريًا للنظام، لكنه يفتح مرحلة تفكك بطيء للتماسك الداخلي.

ثانيًا: كُردستان روجھلات – بين الفرصة التاريخية وخطر التهميش

🔹 1️⃣ روجھلات كمسرح قابل للتصعيد

كُردستان إيران تمتلك عناصر تجعلها مرشحة لتصعيد أكبر:

  • تاريخ طويل من الاحتجاج والتنظيم.
  • جاهزية اجتماعية أعلى للعصيان والإضراب.
  • وجود أحزاب سياسية ذات امتدادات تنظيمية.

📌 لكن في المقابل:

  • القمع في روجھلات غالبًا أشد من المركز.
  • النظام يتعامل مع المناطق الكردية كـ ملف أمني لا سياسي.

🔹 2️⃣ السيناريو الأول لروجھلات: التفاعل الشعبي دون قيادة موحدة

وهو السيناريو الأخطر:

  • استمرار الاحتجاجات الشعبية.
  • غياب إطار سياسي كردي موحد لقيادة المرحلة.
  • اكتفاء الأحزاب بالبيانات والدعم الإعلامي.

🔻 النتيجة:

  • تضحيات كبيرة دون مكاسب سياسية.
  • احتمال استخدام النظام العنف المفرط بحجة “الأمن القومي”.
  • تهميش المطالب الكردية في أي تسوية وطنية لاحقة.

🔹 3️⃣ السيناريو الثاني: تشكّل موقف كردي سياسي موحّد (الفرصة التاريخية)

يتحقق إذا:

  • تم تفعيل مبادرات مثل دعوة حزب حرية كردستان (PAK) لعقد اجتماع استثنائي.
  • تجاوز الخلافات الأيديولوجية لصالح برنامج حد أدنى.
  • ربط الحراك الكردي بالحراك الإيراني دون الذوبان فيه.

📌 ملامح هذا السيناريو:

  • بلورة خطاب كردي جامع: ديمقراطية + حقوق قومية.
  • تنسيق الإضرابات والاحتجاجات سياسيًا.
  • فرض القضية الكردية كجزء من أي نقاش وطني حول مستقبل إيران.

🔺 هذا السيناريو لا يعني الانفصال، بل تحويل الكرد إلى شريك سياسي لا هامش ثوري.

ثالثًا: دور الأحزاب الكردية – اختبار الجدية التاريخي

🧭 الأحزاب أمام ثلاثة خيارات:

  1. الانتظار → خسارة اللحظة.
  2. المزايدة الخطابية → استنزاف الشارع.
  3. التنسيق العملي → مكسب سياسي طويل الأمد.

📌 الدعوات الأخيرة (خصوصًا من PAK) تعكس إدراكًا أن:

الزمن الثوري لا ينتظر المترددين.

رابعًا: العامل الإقليمي والدولي

  • المجتمع الدولي يراقب لكنه لا يراهن على تغيير فوري.
  • أي تصعيد دموي واسع قد يعيد إيران إلى واجهة الضغط الدولي.
  • الأقليات القومية (الكرد، البلوش، العرب) قد تتحول إلى عامل ضغط إضافي إذا نُظّمت سياسيًا.

لكن دون تنظيم داخلي، لن يتحول هذا العامل إلى دعم فعلي.

إن خلاصة القول في ما تشهده إيران اليوم ليس حدثًا عابرًا، بل تعبير عن أزمة عميقة في العلاقة بين المجتمع والدولة. وفي قلب هذا المشهد، تقف كُردستان روجھلات أمام لحظة فارقة من تاريخ ومستقبل القضية الكُردية في روجهلات خاصة وعموم كُردستان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى