آخر الأخبار
اراء وحواراتحركة التجديد الكردستاني

التشخيص التفريقي السياسي

إسماع الصوت الكردي في الأمم المتحدة والمحافل الدولية مطلبٌ مشروع

التشخيص التفريقي السياسي  

إسماع الصوت الكردي في الأمم المتحدة والمحافل الدولية مطلبٌ مشروع  

بقلم: الدكتورة ميديا شيخة    
مسؤولة مجلس حركة التجديد الكُردستاني في ألمانيا  

في الطب، يقوم التشخيص التفريقي على التمييز بين الحالات المتشابهة ظاهريًا،بتحديد موضع الخلل وآليته؛ كما تعمل الخلية ضمن شبكة دقيقة من المستقبلاتومسارات الإشارة والتنظيم والتغذية الراجعة. وقد تبدو الخلية طبيعية تحت المجهر، بينمايكشف الفحص الوظيفي خللًا في الاستجابة أو في مسارات الإشارة

وبالمثل، قد تبدو الدولة مكتملة البنية: حكومة وبرلمان وقضاء وإدارة، بينما يكون الخلل قدانتقل من مستوى الشكل إلى مستوى الوظيفة؛ فتضعف قدرتها على استقبال إشاراتالمجتمع، وتصحيح أخطائها، والتكيف مع المتغيرات. ومن هنا يبدأ التشخيص التفريقيالسياسي: ليس السؤال هل الدولة موجودة، بل هل ما زالت تؤدي وظائفها؟

وللإيضاح أكثر، عندما يختل مسار الإشارة في الخلية، قد تبقى الخلية موجودة، لكنهالا تستجيب بصورة صحيحة. وفي السياسة يحدث الأمر نفسه عندما تنفصل مراكزالقرار عن الإشارات القادمة من المجتمع، أو تصلها مشوّهة بسبب الخوف والرقابةواحتكار المعلومات. عندها لا تكون المشكلة في غياب الدولة، وإنما في اختلال الاتصالالوظيفي داخلها. ومع استمرار الخلل، تضيق قنوات القرار، وتتراجع مرونة المؤسسات،ويتحوّل النظام إلى بنية أكثر تصلّبًا وأقل قدرة على استقبال التغيير.

فالدولة لا تُقاس فقط بوجود مؤسساتها، وإنما بكيفية عملها، كيف تنتقل المعلومات إلىمركز القرار؟ كيف تتحوّل مطالب المجتمع إلى سياسات؟ من يستطيع تصحيح القرارعندما يفشل؟ وهل تستطيع المؤسسة أن تتعلم من نتائج قراراتها السابقة؟ وهذا يقتربمن تحليل ستيفن هيدمان للسلطوية السورية، حيث لا يُفسَّر استمرار النظام بالقمعوحده، بل ببناء المؤسسات وأنماط التنظيم وإدارة الصراع الاجتماعي، وهي آلياتأسهمت في تشكيل طبيعة الحكم السلطوي واستمراره في سوريا (Heydemann, 1999).

وهنا يمكن استخدام باركنسون كاستعارة محدودة للتصلّب وبطء الاستجابة، لاكتشخيص طبي للدولة. فكما يرتبط المرض باضطراب التحكم الحركي وظهور التصلّبوبطء الحركة، قد تتحوّل المؤسسة السياسية إلى نظام بطيء الحركة، مثقل بالإجراءات،عاجز عن الاستجابة في الوقت المناسب

أما فقدان الذاكرة المؤسسية، فظاهرة مختلفة، أن تملك المؤسسة تاريخها ووثائقها،لكنها لا تستطيع تحويل خبرتها السابقة إلى معرفة تمنع تكرار الأخطاء. وهذا هو جوهرمفهوم فقدان الذاكرة الذي يناقشه Alastair Stark، Memory and Institutional Amnesia in Government، (Stark et al., 2026)

المناعة الذاتية السياسية تبدأ عندما تفقد السلطة قدرتها على التمييز بين المعارضةوالعداء، وبين الاختلاف والتهديد، وبين التنوع والانقسام. ففي علم المناعة، يؤدي فقدانالتحمل المناعي إلى مهاجمة مكونات من الذات؛ وفي السياسة يحدث الأمر عندما تنظرالسلطة إلى جزء من مجتمعها باعتباره جسمًا غريبًا. عندها تستهلك الدولة طاقتها فيمقاومة مكونات يُفترض أنها جزء من جسدها السياسي

وهنا يدخل الإسلام السياسي إلى مجال الفحص، لا باعتباره دينًا ولا مرضًا في ذاته،وإنما باعتباره مشروعًا سياسيًا يستند إلى مرجعية دينية في تنظيم السلطة والمجتمع. وقد أظهر تاريخه تعدد المسارات بين العمل السياسي والمؤسسي وبين الراديكاليةوالعنف، وهو ما تناوله Gilles Kepel في Jihad: The Trail of Political Islam. (Kepel, Gilles, 2002)

لذلك فالسؤال ليس: هل الإسلام السياسي مريض؟ بل: ماذا يحدث عندما تتحولالمرجعية الدينية إلى بنية للسلطة؟ هل تقبل المواطنة المتساوية؟ هل تقبل المعارضة؟ هلتقبل تداول السلطة عندما تصبح في موقع المعارضة؟

وهذا المعيار لا يخص الإسلام السياسي وحده. فالقومية قد تتحوّل إلى سلطة مغلقةعندما يصبح الوطن فوق المواطن،ًفالمرض السياسي لا يكمن في اسم الأيديولوجيا، بلفي تحوّلها إلى سلطة مغلقة تعجز عن قبول التعدد والتصحيح وتداول السلطة

وفي سوريا، تظهر المسألة الكردية كاختبار حقيقي لوظيفة الدولة الجديدة. فقد اعترفالمرسوم رقم 13 لعام 2026 بالكرد جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، وباللغة الكرديةلغةً وطنية، وأتاح تدريسها ضمن النظام التعليمي. لكن الاعتراف القانوني لا يعنيبالضرورة اكتمال التطبيق. فهناك فرق جوهري بين تدريس اللغة الكردية وبين التعليمباللغة الكردية. فالأول أصبح جزءًا من المنظومة التعليمية، بينما يبقى السؤال الأوسعمتعلقًا بحق التعليم باللغة الأم، واتساع نطاق التطبيق، وتوفير المناهج والكوادر التعليميةالمؤهلة، وقدرة الدولة على تحويل الاعتراف القانوني إلى ممارسة مستقرة ودائمة

وقد ظهرت انتقادات ترى أن تدريس الكردية بعدد محدود من الحصص لا يرقى إلىمستوى الطموح المرتبط بالتعليم الحقيقي باللغة الأم. وهذا النقد لا ينفي أهمية الخطوة،لكنه يضعها في إطارها الصحيح.

وهنا يظهر الفرق بين الاعتراف الشكلي والاعتراف الوظيفي فالدولة لا تُقاس فقط بماتكتبه في مراسيمها، وإنما بقدرتها على تحويل الحقوق المعلنة إلى ممارسة فعلية يشعربها المواطن الكوردي في المدرسة والمؤسسة والقانون والحياة اليومية

فاللغة ليست مجرد مادة دراسية، بل هي ذاكرة وهوية ووسيلة لنقل الثقافة بين الأجيال. ومن ثم، فإن السؤال الأهم: إلى أي مدى تستطيع الدولة ضمان حق الكرد في تعليملغتهم وتطويرها واستخدامها في المجال العام، ضمن إطار المواطنة المتساوية ووحدةالدولة؟

وتأتي أحداث كوباني الأخيرة لتجعل هذا النقاش أكثر إلحاحًا. فقد أثارت حادثة مقتلالشاب الكردي سيبان حسو كرمي موجة من الغضب والاحتجاجات والمطالبات بكشفملابسات مقتله ومحاسبة المسؤولين عنه. ثم شهد سجن كوباني اضطرابات وحريقًاأسفر، وفق التقارير المنشورة في 12 سبتمبر/أيلول 2026، عن مقتل عدد من السجناءوإصابة آخرين بحروق وحالات اختناق

ولا تزال ملابسات الحريق ومسؤولية الأطراف المختلفة عنه موضع تحقيق وتضارب فيالروايات. ولذلك فإن المطلوب ليس إصدار حكم مسبق، وإنما إجراء تحقيق مستقلوشفاف يكشف كيف اندلع الحريق، وما الذي حدث داخل السجن، وهل كانت هناكإجراءات كان يمكن أن تمنع سقوط الضحايا، ومن يتحمل المسؤولية القانونية والسياسيةإذا ثبت وجود تقصير أو انتهاك

لكن، بصرف النظر عن نتائج التحقيق، فإن سقوط سجناء داخل مكان احتجاز يطرحسؤالًا جوهريًا حول وظيفة الدولة في حماية حياة الإنسان، بما في ذلك حياة من هم قيدالاحتجاز

وهنا تعود فكرة التشخيص التفريقي السياسي إلى الواجهة، فعندما تتكرر مؤشراتالتوتر والعنف، لا يكفي التعامل مع كل حادثة بوصفها حادثة أمنية منفصلة؛ بل يجبالبحث عن الخلل الذي يسمح بتراكمها.

ومن هنا، فإن إسماع الصوت الكردي مباشرة في الأمم المتحدة والمحافل الدولية مطلبسياسي مشروع، ولا يتعارض مع وحدة الدولة السورية. فالمطالبة بأن يكون للكرد صوتفي القضايا التي تمس حقوقهم ومستقبلهم ليست خروجًا من الدولة، بل مطالبة بأنتكون الدولة قادرة على تمثيل جميع مكوّناتها. وإذا كانت الدولة الجديدة تريد أن تبنيشرعيتها على المواطنة المتساوية، فإن تمثيل المكونات لا ينبغي أن يكون مجرد خطابداخلي، بل يجب أن ينعكس أيضًا في طريقة عرض قضايا البلاد ومكوناتها أمامالمجتمع الدولي

إن الدولة التي تستطيع أن تسمح لمكوّناتها بالتعبير عن نفسها، داخل مؤسساتها وأمامالمجتمع الدولي، تكون أكثر ثقة بنفسها من دولة تخشى من مجرد ظهور تعدد أصواتها.

وهنا يصبح التشخيص التفريقي السياسي أكثر أهمية من الحكم السريع: هل نحنأمام تصلّب مؤسسي؟ أم فقدان للذاكرة؟ أم بطء في الاستجابة؟ أم انسداد فيمسارات القرار؟ أم فقدان للتحمل السياسي؟ وقد تجتمع هذه الاضطرابات وتغذيبعضها بعضًا.

ومن هنا يبدأ العلاج السياسي بإعادة فتح قنوات القرار، وحماية استقلال القانون،وتحسين انتقال المعلومات، وتجديد النخب، وحفظ الذاكرة المؤسسية، وبناء مؤسساتتستطيع تصحيح أخطائها دون أن ترى التصحيح تهديدًا لوجودها.

فالدولة السليمة ليست الدولة التي لا تمرض، بل الدولة التي تستطيع اكتشاف خللهاوتصحيحه قبل أن يتحوّل إلى بنية

وأخطر ما قد يصيب الدولة ليس التصلّب ولا فقدان الذاكرة ولا المناعة الذاتية، بل أنتفقد القدرة على تشخيص نفسها

وفي السياسة، كما في الطب، لا تكفي الحياة وحدها؛ الصحة هي القدرة علىالاستجابة، والتعلم، وتصحيح المسار.

فالدولة القوية ليست التي تمنع مواطنيها من رفع أصواتهم، وإنما التي تستطيع سماعأصواتهم وتحويلها إلى سياسات ومؤسسات وحقوق

ومن هنا، فإن إسماع الصوت الكردي ليس تهديدًا لصحة الدولة؛ بل قد يكون، إذا أُديرضمن إطار القانون والمواطنة المتساوية، أحد الاختبارات التي تكشف مدى صحة الدولةنفسها

المراجع:

1. Heydemann, S. (1999). Authoritarianism in Syria: Institutions and social conflict, 19461970 (pp. 84105). Cornell University Press.

2. Kepel, G. (2002). Jihad: The trail of political Islam (pp. 2360). Belknap Press of Harvard University Press.

3. Stark, A., et al. (2026). Memory and institutional amnesia in govment (pp. 120). Oxford University Press.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى