
بقلم: الدكتور رزگار قاسم رئيس حركة التجديد الكُردستاني
يشهد الشرق الأوسط تحولات عميقة في بنيته السياسية والأمنية في ظل إعادة تشكل موازين القوى الإقليمية والدولية وفي خضم هذه التحولات تبرز المسألة الكردية بوصفها إحدى القضايا التاريخية غير المحسومة في المنطقة لقد أثبت الشعب الكردي في أكثر من محطة مفصلية قدرته على إدارة شؤونه والدفاع عن أرضه والمساهمة في الاستقرار الإقليمي, من هنا يطرح سؤال المستقبل نفسه بإلحاح: هل حان الوقت لصياغة استراتيجية كردية بعيدة المدى تؤسس لنواة دولة كُردستان انطلاقاً من جنوب كردستان وغربها؟
أولاً: الواقع القائم كنقطة انطلاق
يمثل إقليم كردستان في العراق تجربة سياسية متقدمة نسبياً في إطار النظام الاتحادي العراقي فقد استطاع الإقليم رغم التحديات السياسية والاقتصادية أن يبني مؤسسات تشريعية وتنفيذية وأمنية وأن يرسخ حضوراً دبلوماسياً واقتصادياً إقليمياً ودولياً وفي المقابل نشأت في شمال وشرق سوريا تجربة الإدارة الذاتية في روجآفا ضمن ظروف معقدة فرضتها الحرب السورية حيث لعبت قوات سوريا الديمقراطية دوراً محورياً في مواجهة تنظيم داعش ،ما أكسبها شرعية دولية بوصفها شريكاً أساسياً في مكافحة الإرهاب
هذا الواقع يطرح إمكانية التفكير في صيغة تكامل تدريجي بين جنوب كردستان وغربها، بوصفهما نواتين سياسيتين قائمتين لكل منهما تجربة مؤسساتية يمكن البناء عليها.
ثانياً: من العاطفة إلى التخطيط الاستراتيجي
إن أي مشروع وطني لا يمكن أن يقوم على العاطفة وحدها، مهما كانت عدالتها التاريخية المطلوب اليوم رؤية استراتيجية هادئة تستند إلى:
1. تعزيز الوحدة السياسية الداخلية بتجاوز الانقسامات الحزبية والتنافسات التاريخية، وبناء مظلة تنسيقية عليا تمثل الإرادة الكردية الجامعة.
2. ترسيخ الحكم الرشيد من خلال تقوية المؤسسات و مكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، بما يجعل النموذج الكردي جاذباً داخلياً ومقبولاً خارجياً.
3. تنمية الاقتصاد المستقل نسبياً من خلال الاستثمار في الطاقة، الزراعة، البنية التحتية، والتعليم، لتقليل الارتهان للمحيط الإقليمي.
4. بناء شبكة علاقات دولية متوازنة وذلك من خلال الانفتاح على القوى الكبرى والاتحاد الأوروبي ودول الجوار، ضمن خطاب عقلاني يؤكد أن أي كيان كردي مستقبلي سيكون عامل استقرار لا تهديد.
ثالثاً: الإطار القانوني والدولي
القانون الدولي يقر بمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، لكنه في الوقت ذاته يوازن بين هذا الحق ومبدأ وحدة أراضي الدول !لذلك فإن أي تحرك باتجاه الدولة الكردية يحتاج إلى مسار قانوني تراكمي يبدأ بتثبيت الحقوق الدستورية في الدول القائمة وتوسيع نطاق الحكم الذاتي، وصولاً (إن توفرت الظروف ) إلى صيغ اتحادية أو كونفدرالية قد تمهد مستقبلاً لإعلان دولة مستقلة بتوافق داخلي وإقليمي ودولي.
رابعاً: التحديات الواقعية
لا يمكن تجاهل حساسية الدول المعنية التي تقتسم كردستان فيما بينها والتي تُعتبر إحتلالاً لإتباعها سياسات تصب في هذا الاتجاه وهي العراق، سوريا، تركيا، وإيران تجاه أي مشروع استقلالي كما أن البيئة الدولية لا تميل غالباً إلى إعادة رسم الحدود إلا في ظروف استثنائية لذلك فإن الاستراتيجية الواقعية تفترض:
•تجنب الخطاب التصعيدي.
•العمل ضمن مسارات سياسية وقانونية تدريجية.
•طمأنة المكونات غير الكردية في المناطق المعنية(كردستان) وضمان حقوقها الكاملة في أي صيغة مستقبلية.
خامساً: رؤية المستقبل
إن فكرة أن يعيش الشعب الكردي على أرضه التاريخية في إطار دولة مستقلة ليست طرحاً عاطفياً بقدر ما هي تعبير عن تطلع قومي مشروع إسوةً بشعوب عديدة نالت استقلالها في القرن العشرين ،غير أن نجاح هذا المشروع مرهون بمدى قدرته على التحول من شعار إلى خطة عمل مدروسة، تتسم بالصبر الاستراتيجي وبناء التحالفات الإستراتيجية على آساس تقاطع المصالح المشتركة وتعزيز الشرعية الديمقراطية.
الوقت قد يكون مناسباً لبدء التخطيط الجاد، لكن تحقيق الهدف يتطلب قراءة دقيقة للواقع وتوحيد الصف الداخلي، واستثمار اللحظة الإقليمية والدولية بحكمة فالدول لا تولد فقط من رحم التاريخ، بل من تراكم المؤسسات، وشرعية الإنجاز، والقدرة على إدارة التوازنات المعقدة.
بهذه المقاربة الهادئة، يمكن للكرد أن يضعوا أسس استراتيجية مستقبلية تفتح الباب أمام خيارات متعددة، يكون من بينها إذا ما توافرت الشروط – تأسيس دولة كردستان انطلاقاً من جنوبها وغربها ضمن رؤية مسؤولة تعزز الاستقرار الإقليمي وتحفظ حقوق جميع شعوب المنطقة




