
حين تتكلم الذاكرة الكُردية
زاوية الدكتورة ميديا شيخة
مسؤولة مجلس حركة التجديد الكُردستاني في ألمانيا
في كل مرة نقرأ فيها خطابًا سياسيًا، نظن أننا أمام موقفٍ آنيّ صيغ تحت ضغط اللحظة، لكن ما لا ننتبه إليه هو أن الفكرة، في جوهرها، تشبه الشيفرة الوراثية؛ تحمل داخلها تاريخًا طويلًا من التراكم والانتقال والتحوّل.
في التجربة الكردية، يتشكل الفعل السياسي كامتداد لذاكرة طويلة من التجارب والانقطاعات وإعادة التشكل، من البنى التقليدية إلى التنظيمات الحديثة، كما لو أن هناك “شيفرة سياسية عميقة” تتكفّل بحفظه وتطويره.
وعبر التحولات التاريخية الكبرى، من لحظات الانكسار إلى مراحل إعادة التنظيم، تبدّلت أشكال الحضور السياسي الكردي دون أن ينقطع مساره. لم تكن هذه التحولات مجرد ردود فعل على الظروف، بل عمليات إعادة صياغة عميقة للبنية السياسية نفسها، حيث أُعيد تعريف الأدوات والأولويات وحتى طرق التفكير السياسي.
اليوم، تقف السياسة الكردية أمام مرحلة مختلفة تتسم بتعقيد غير مسبوق. تعدد الفاعلين، وتشابك المصالح الإقليمية، وضغط التحولات الدولية، كلها عوامل تفرض إعادة قراءة الشيفرة السياسية من جديد. لم يعد السؤال فقط كيف يمكن الاستمرار، بل كيف يمكن إعادة تنظيم الفعل السياسي ليكون أكثر قدرة على التأثير ضمن واقع سريع التحول.
لكن الواقع الكردي لا يكفيه السرد التاريخي فقط، وإنما يحتاج إلى تشخيص “المرض السياسي” في واقعه.
وتظهر هذه التعقيدات بوضوح في التحولات الجارية في عفرين ومناطق شمال وشرق سوريا، وصولًا إلى كوباني ورأس العين وتل أبيض، حيث لا يقتصر المشهد على صراع تقليدي على السيطرة، بل يتجاوز ذلك إلى سعيٍ مستمر لبناء نماذج قائمة على الاستقرار وحماية المجتمع.
وفي هذا السياق، يبقى سؤال العودة حاضرًا بقوة، خاصة في رأس العين وتل أبيض، حيث ترتبط الإجابة عليه بجملة من العوامل المعقدة: موازين القوى، التفاهمات الإقليمية، والقدرة على إعادة بناء بيئة آمنة ومستقرة. لا يتعلق الأمر بإرادة سياسية فقط، بل بشروط واقعية تتصل بالأمن والاستقرار والبنية الخدمية، بما يضمن عودة آمنة وكريمة للسكان. ويظل هذا الملف حتى الآن جزءًا من مسار مفتوح على احتمالات متعددة لم تُحسم بشكل نهائي.
كما شهدت عفرين عودة عدد من الأهالي إلى مناطقهم، رغم أن هذه العودة ما تزال غير مكتملة وتواجه جملة من التحديات الأمنية والاقتصادية والمعيشية. فقد ترتّب على سنوات النزوح الواسع تغيّر في البنية السكانية، إضافة إلى صعوبات تتعلق باستعادة الممتلكات وإعادة بناء الاستقرار الاجتماعي والثقة داخل المجتمع. ورغم هذه التعقيدات، تظل مسألة العودة أحد الملفات الأساسية المرتبطة بمستقبل الاستقرار في المنطقة، وبقدرة الأهالي على إعادة ترميم حياتهم بشكل تدريجي ومستدام.
اللافت أن هذه المرحلة، رغم تعقيدها، لا تخرج عن منطق التراكم نفسه. فالتجربة الكردية، مثل الجينات، قادرة على الانتقال عبر الزمن دون أن تفقد جوهرها العملي. تتغير الأدوات، وتتبدل التحالفات، وتتطور اللغة السياسية، محافظة على التماسك البنّاء وقوة البقاء.
الفاعل السياسي، حين يتحرك، لا يبدأ من الصفر. هو، في مستوى ما، يعيد ترتيب عناصر موجودة ويعيد تركيبها بما يناسب المرحلة. الفعل هنا ليس قطيعة تامة، بل إعادة تشفير. لذلك تبدو بعض التحولات جديدة في ظاهرها، لكنها في العمق امتداد لمسارات أقدم، حتى في أكثر اللحظات التي تبدو فيها السياسة وكأنها تعيد تعريف نفسها بالكامل.
وإذا كان العلم قد كشف أن الحمض النووي يحمل تاريخ الكائنات، فإن التجارب السياسية تحمل تاريخ الشعوب في بنيتها الداخلية. كلاهما لا يعمل بشكل عشوائي، بل وفق أنماط تتكرر وتتحول؛ الفرق أن الأول يُقرأ في المختبر، والثاني يُقرأ في الواقع.
في هذا المعنى، يمكن النظر إلى التجربة الكردية كعملية مستمرة من إعادة الإنتاج السياسي ومسار تراكمي يُبنى عبر الزمن. كل مرحلة تضيف طبقة جديدة، وكل جيل يعيد صياغة ما سبقه دون أن ينفصل عنه بالكامل.
لهذا، حين نراقب المشهد اليوم، لا نرى لحظة سياسية عابرة، بل مسارًا طويلًا يعيد تشكيل نفسه تحت ضغط الواقع، من عفرين إلى كوباني ورأس العين وتل أبيض، وصولًا إلى القامشلي وعامودا والمالكية. وكأن ما يحدث ليس مجرد سياسة يومية، بل شيفرة تُكتب وتُعاد كتابتها بصمت، لكنها لا تتوقف.




