
بقلم الدكتور رزگار قاسم
رئيس حركة التجديد الكُردستاني
في المشهد السياسي المعاصر، لا يمكن فهم ديناميكيات الفشل والانهيار دون التوقف مطولاً عند ظاهرة عميقة الجذور تتجاوز حدود السلوك الفردي لتتحول إلى بنية ذهنية ومنهج إداري كامل، وهي ما يمكن تسميته بسياسة التبرير والهروب من الواقع. هذه السياسة لا تظهر فجأة، بل تنمو تدريجياً داخل الأنظمة والأحزاب والحركات السياسية، حتى تصبح مع الوقت الإطار الناظم لكل خطابها وممارساتها، فتفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين التقييم الموضوعي والتبرير الدعائي.
إن سياسة التبرير، في جوهرها، ليست سوى آلية دفاعية تلجأ إليها القيادات السياسية عندما تعجز عن تقديم إنجازات حقيقية أو عندما تواجه إخفاقات بنيوية لا يمكن إخفاؤها بسهولة. وهنا يبدأ نسج الروايات البديلة، حيث تتحول الأخطاء إلى “نتائج طبيعية لظروف معقدة”، وتُعاد صياغة الفشل على أنه “مرحلة ضرورية في مسار طويل”. أما الهروب من الواقع، فهو المرحلة الأكثر خطورة، إذ لا يقتصر على التبرير، بل يتعداه إلى إنكار الوقائع الصلبة واستبدالها بعالم متخيل، تُصاغ فيه الحقائق وفق الحاجة السياسية لا وفق المعطيات الموضوعية. ومع مرور الوقت، يتماهى الخطاب مع هذا الوهم إلى درجة أن صانعيه أنفسهم يبدأون بتصديقه.
ولا يمكن فهم انتشار هذه الظاهرة دون تفكيك البيئة التي تنتجها. حين تغيب المساءلة، وتُعطل آليات الرقابة، يشعر المسؤول بأنه فوق المحاسبة، فيتحول التبرير من خيار إلى ضرورة لحماية موقعه. وفي الأنظمة التي تفتقر إلى ثقافة ديمقراطية حقيقية، يصبح النقد تهديداً لا فرصة، ويُنظر إلى الاعتراف بالخطأ كضعف لا كقوة. كما أن الخوف من فقدان السلطة يلعب دوراً محورياً، إذ يدفع القيادات إلى التمسك بالسرديات المضللة حتى لو كانت على حساب الواقع. ولا يمكن إغفال دور الإعلام الموجّه الذي يتحول إلى أداة تضليل ممنهجة، يعيد إنتاج الروايات الرسمية ويمنحها شرعية زائفة. أما العقلية الأيديولوجية المغلقة، فهي توفر الغطاء النظري لهذا السلوك، إذ تضع المشروع السياسي في مرتبة “المقدس” الذي لا يجوز نقده، مما يجعل التبرير وسيلة لحمايته من الانكشاف.
وتتجلى هذه السياسة في مظاهر متعددة، لكنها تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: الهروب من المسؤولية. فكل إخفاق يُعزى إلى مؤامرة خارجية، وكل نجاح مهما كان محدوداً يُضخّم ليغطي على إخفاقات أعمق. ويحل الخطاب العاطفي محل التحليل العقلاني، فتُخاطب الجماهير بلغة الإثارة لا بلغة الوقائع. كما يتم تأجيل الاعتراف بالفشل عبر الحديث المستمر عن “مرحلة انتقالية” بلا أفق زمني واضح، في حين تُختزل المعارضة في صورة “عدو” يجب شيطنته، بدلاً من التعامل معها كجزء طبيعي من الحياة السياسية.
غير أن الأخطر من الفشل نفسه هو الاستمرار فيه دون مراجعة. فحين يُمنع الاعتراف بالمشكلة، تتراكم الأزمات وتتحول إلى أزمات مركبة يصعب احتواؤها. ومع مرور الوقت، يبدأ التباعد بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش بالاتساع، مما يؤدي إلى تآكل الثقة بين الشعب والقيادة. وتتحول المؤسسات من أدوات لإدارة الدولة إلى أدوات لتبرير قراراتها، فتفقد وظيفتها الأساسية وتصبح جزءاً من الأزمة لا من الحل. كما أن القرارات التي تُبنى على معطيات مزيفة تقود بالضرورة إلى نتائج كارثية، تزيد من حدة الأزمات بدلاً من معالجتها. وفي هذا المناخ، يتسلل الإحباط إلى المجتمع، ويتحول اليأس إلى حالة عامة، تمهد لتفكك النسيج الاجتماعي وانهيار الروابط الوطنية.
وفي مقابل هذا المسار، تقف الواقعية السياسية بوصفها نقيضاً جذرياً لسياسة التبرير. فالواقعية لا تعني الاستسلام أو التراجع، بل تعني القدرة على قراءة الواقع كما هو، بكل تعقيداته وتحدياته، وتحديد الإمكانيات المتاحة بدقة، ثم العمل ضمن هذه الحدود لتحقيق أفضل النتائج الممكنة. إنها تتطلب شجاعة الاعتراف قبل شجاعة الفعل، وتقوم على مبدأ أن مواجهة الحقيقة، مهما كانت قاسية، هي الطريق الوحيد لتغييرها. أما التبرير والهروب من الواقع، فيقدمان راحة مؤقتة، لكنه راحة خادعة، إذ يخفيان تحت سطحها بذور الانهيار القادم.
إن تجاوز هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم بقرارات شكلية أو إصلاحات سطحية، بل يتطلب تحولاً عميقاً في الثقافة السياسية. يبدأ ذلك بترسيخ قيمة النقد الذاتي بوصفه أداة للبناء لا للهدم، وبإعادة الاعتبار لمبدأ المحاسبة كركيزة لأي نظام سياسي سليم. كما أن وجود إعلام حر ومسؤول يشكل شرطاً أساسياً لكشف الحقائق ومنع احتكار الرواية. ولا بد أيضاً من فتح المجال أمام الكفاءات المستقلة للمشاركة في صنع القرار، بعيداً عن منطق الولاء الضيق. وفي جوهر كل ذلك، يجب إعادة تعريف العلاقة بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة، بحيث تصبح الأولى هي المرجعية العليا التي يُقاس عليها كل فعل سياسي.
وفي الخاتمة، يمكن القول إن سياسة التبرير والهروب من الواقع ليست مجرد خطأ في إدارة الأزمات، بل هي انحراف استراتيجي يقود حتماً إلى تفكك أي مشروع سياسي، مهما بدا قوياً في لحظة ما. فالتاريخ لا يرحم الأنظمة التي ترفض التعلم من أخطائها، ولا يمنحها فرصة دائمة لإعادة إنتاج ذاتها عبر الوهم. إن الأمم التي تملك شجاعة مواجهة الحقيقة هي وحدها القادرة على البقاء والتجدد، أما تلك التي تختار تزييف الواقع، فإنها لا تفعل سوى تأجيل لحظة السقوط.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر بساطة وعمقاً في آن واحد: الاعتراف بالمشكلة هو البداية الحقيقية لكل حل، أما إنكارها فليس سوى الخطوة الأولى في طريق الانهيار.



