
بين حادثة علم وحرب روايات: كيف تُستغل الأخطاء الفردية لضرب البيت الكُردي من الداخل؟
بقلم: هڤال ديركي
في زمن الحروب الحديثة لم تعد الجيوش وحدها من تخوض المعارك، ولم تعد الدبابات والطائرات الوسائل الوحيدة لإخضاع الشعوب وإضعاف إرادتها. فهناك نوع آخر من الحروب أقل ضجيجاً وأكثر خطورة، هو حرب الوعي والرأي العام، حيث تتحول الكلمة إلى سلاح، والشائعة إلى قذيفة، والمقطع المجتزأ إلى أداة قادرة على صناعة أزمة سياسية واجتماعية خلال ساعات قليلة.
ما شهدناه مؤخراً على خلفية الحادثة التي وقعت خلال حفل الفنان الكُردي ديار درسيم ليس سوى نموذج مصغر لهذا النوع من الحروب. فحادثة محدودة في حفل فني تحولت فجأة إلى قضية رأي عام، ثم إلى محكمة شعبية افتراضية، قبل أن تتحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات والتخوين والتحريض بين أبناء الشعب الكُردي أنفسهم.
المفارقة أن أغلب الذين انخرطوا في السجال لم يشاهدوا الحدث كاملاً، ولم ينتظروا توضيحاً من جميع الأطراف، بل اكتفوا بمقاطع قصيرة مجتزأة جرى تداولها بعناية لتوجيه الرأي العام نحو استنتاجات مسبقة.
وهنا يكمن جوهر المشكلة.
ففي كثير من الأحيان لا تكون القضية هي ما حدث فعلاً، بل كيف يتم تقديم ما حدث للجمهور، ومن يملك القدرة على صياغة الرواية الأولى ونشرها قبل ظهور الحقائق الكاملة.
من الحدث إلى الاستثمار السياسي: إن أي متابع للشأن الكُردي يدرك أن القضية لم تعد مرتبطة بحادثة علم أو بحفل غنائي أو حتى بشخص الفنان نفسه. فهذه الأحداث تتحول بسرعة إلى أدوات للاستثمار السياسي والإعلامي.
هناك أطراف تدرك جيداً أن الوحدة الكُردية تشكل خطراً على المشاريع التي تستهدف الوجود الكُردي في المنطقة، ولذلك تسعى باستمرار إلى تغذية الانقسامات الداخلية وإشعال الخلافات الهامشية وتحويلها إلى صراعات كبرى.
وعندما تفشل القوى المعادية في تحقيق أهدافها عسكرياً، تلجأ إلى استنزاف المجتمع من الداخل عبر خلق أجواء من الشك المتبادل والكراهية والانقسام.
في هذه الحالة يصبح الكُردي خصماً للكُردي، ويتحول النقاش من مواجهة التحديات الحقيقية التي تهدد الشعب الكُردي إلى معارك جانبية لا تنتهي.
ديار درسيم بين الذاكرة والإنصاف: قد يختلف الناس مع أي فنان أو سياسي أو ناشط، وهذا حق مشروع، لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى المسيرة كاملة لا إلى مشهد واحد معزول عن سياقه.
خلال السنوات العصيبة التي واجهت فيها روجآفا أخطر التهديدات الوجودية، برز ديار درسيم حاضراً بين أبناء شعبه في روآفا، قادماً من أوروبا ليقف إلى جانب مقاومة روجآفا في واحدة من أكثر المراحل حساسية وخطورة. ففي الوقت الذي كان كثيرون يبحثون عن المسافات الآمنة، اختار هو أن يكون قريباً من أرضه وقضيته، مؤمناً بأن الانتماء الحقيقي لا يُختبر في أوقات الاستقرار، بل في اللحظات التي يحتاج فيها الوطن إلى أبنائه.
كانت روجافا آنذاك تواجه حرباً وجودية، وكانت التضحيات تُقدم يومياً دفاعاً عن الأرض والكرامة والهوية.
في تلك اللحظات لم تكن الوطنية شعاراً على وسائل التواصل الاجتماعي، بل موقفاً عملياً يُترجم بالحضور والمساندة وتحمل المسؤولية.
ولهذا فإن اختزال تاريخ شخص ومواقفه الوطنية في حادثة عابرة لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم الرغبة في صناعة عدو جديد داخل المجتمع الكُردي.
فالوطنية ليست علماً يُرفع في لحظة انفعال، بل مسار طويل من الالتزام والمواقف والتضحيات.
الإعلام بين المسؤولية والإثارة: من المؤسف أن بعض المنابر الإعلامية وقعت في فخ الاستقطاب بدلاً من أداء دورها المهني.
فالإعلام الحقيقي لا يصدر الأحكام قبل سماع جميع الأطراف، ولا يتحول إلى منصة لتوجيه الجماهير نحو نتيجة محددة مسبقاً.
وكان الأجدر بأي إعلامي يتناول القضية أن يتيح المجال للروايات المختلفة، وأن يسعى لفهم ملابسات الحادثة كاملة، لا أن يكتفي بتقديم وجهة نظر واحدة قد تؤدي إلى تأجيج الاحتقان الشعبي.
إن قوة الإعلام تكمن في قدرته على كشف الحقيقة، لا في قدرته على تعبئة الجماهير ضد بعضها البعض.
Ez destur nadim va leyistokên we yî erzan û qirej!!! pic.twitter.com/2chZJG55mU
— Diyar Dersim (@DiyarDersim_) June 8, 2026
المنصات المشبوهة وحرب تفكيك الوعي: الأخطر من الحادثة نفسها هو الدور الذي تلعبه بعض المنصات والحسابات التي ترفع عناوين قومية براقة، بينما تنشط عملياً في نشر الانقسامات وإثارة الفتن داخل المجتمع الكُردي.
ليس ضرورياً أن تكون هذه المنصات مرتبطة تنظيمياً بجهة معينة حتى تؤدي وظيفة تخدم خصوم القضية الكُردية.
يكفي أن يكون محتواها قائماً على التحريض والتخوين ونشر المقاطع المجتزأة وإثارة الكراهية بين أبناء الشعب الواحد.
وقد أصبح من الواضح أن جزءاً من المعركة الدائرة اليوم يستهدف الوعي الكُردي نفسه.
فبدلاً من توجيه الاهتمام نحو سياسات الإنكار والاحتلال والتغيير الديمغرافي والانتهاكات التي يتعرض لها الكُرد في أكثر من منطقة، يجري دفع الرأي العام نحو صراعات داخلية متواصلة تستنزف الطاقة الوطنية وتشتت الأولويات.
إن أخطر أنواع الاختراق ليست تلك التي تستهدف الحدود، بل تلك التي تستهدف العقول.
من يخدم أعداء القضية؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس من أخطأ في تلك الحادثة، بل من المستفيد من تحويلها إلى أزمة قومية؟
من المستفيد من نشر الكراهية بين الكُرد؟
من المستفيد من تحطيم الرموز الثقافية والفنية والوطنية وتحويلها إلى أهداف لحملات التشويه؟
من المستفيد من تحويل كل خلاف إلى معركة وجودية داخل البيت الكُردي؟
الإجابة ليست معقدة.
فكل انقسام داخلي يمثل مكسباً مباشراً للقوى التي تخشى وحدة الصف الكُردي وتخشى تشكل رأي عام كُردي متماسك وقادر على الدفاع عن حقوقه وقضيته.
وقد أثبتت التجارب أن الشعوب لا تُهزم فقط بالقوة العسكرية، بل تُهزم أيضاً عندما تنجح حملات التضليل في تمزيق نسيجها الداخلي وتحويل أفرادها إلى خصوم لبعضهم البعض.
وما حدث في قضية ديار درسيم يجب أن يكون مناسبة لمراجعة سلوكنا الإعلامي والسياسي، لا مناسبة لإضافة انقسام جديد إلى قائمة الانقسامات الطويلة التي يعاني منها الشعب الكُردي.
فالقضايا الكبرى لا تُحمى بالصراخ، والهوية لا تُصان بالتخوين، والوطنية لا تُقاس بعدد الأعلام المرفوعة، بل تُقاس بالمواقف عندما يكون الوطن في خطر.
وفي زمن الحروب الإعلامية، تصبح المسؤولية الوطنية الحقيقية هي حماية الوعي قبل أي شيء آخر.




